الحوار المتمدن - موبايل


توماس جيفرسون ، مسيح العالم الجديد

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2019 / 6 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



فى تاريخ الإنسان والإنسانية، شخصيات تركت أعظم الأثر على مسيرة الحضارة ، سواء على الزمان والمكان اللذان عاشت بهما، أو حتى بعد رحيلها عنهما، وذلك دون أن تدعى أنها حملت رسالة من السماء، أو معجزة من معجزات الأنبياء، جاءت ورحلت فى صمت بعد أن خلفت ورائها أثراً خالداً فى تاريخ الإنسانية، وفى مقدمة هؤلاء يأتى توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسيين للولايات المتحدة ألأمريكية، والرئيس الثالث لها، وأحد أشهر الربوبيين فى التاريخ.
ولد توماس جيفرسون سنة 1743 فى ولاية فيرجينيا ، وتلقى تعليماً تمهيدياً خاصاً، وفى سن السادسة عشرة إلتحق بكلية وليم ومارى، حيث درس القانون والتاريخ واللغات والعلوم والفلسفة، وتعرف على أعلام النهضة الأوربية، وأبدى مواهبه فى جميع المجالات الدراسية، وإستطاع إنجاز دراسته بالكلية خلال سنتين فقط، وتخرج منها سنة 1762، وعمل بالمحاماة حتى سنة 1775، حين أصبح ممثلاً لولاية فيرجينيا فى كونجرس الولايات الأمريكية، بعد إندلاع حرب الإستقلال الأمريكية مباشرة.
وبعد إعلان قيام الولايات المتحدة سنة 1776، عاد جيفرسون إلى فيرجينيا، حيث أنتخب نائباً فى برلمان الولاية، ثم خدم كحاكم للولاية من سنة 1779 حتى سنة 1781 ، وفى سنة 1783 أصبح عضواً فى الكونجرس الإتحادى ، الذى تأسس بعد الإستقلال ، وفى سنة 1785م أصبح سفيراً لأمريكا فى فرنسا، وفى سنة 1790م عين كأول وزير خارجية لأمريكا تحت قيادة جورج واشنطن، وظل بمنصبه حتى سنة 1793م، وفى سنة 1796 أنتخب نائباً للرئيس جون آدامز، الرئيس الثانى للولايات المتحدة، وفى سنة 1801م أنتخب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ـ وظل فى منصبه لفترتين رئاسيتين حتى سنة 1809 حقق خلالهما نجاحاً كبيراً، وضاعف مساحة الولايات المتحدة بشراء مقاطعة لويزيانا من فرنسا، وضم المناطق المحيطة بها، ورغم ذلك فقد كان إنجاز جيفرسون الأكبر فى التاريخ هو إنجازه كإنسان، ومفكر، ونبى لعصره.
كان توماس جيفرسون من أكثر الرؤساء ثقافة فى التاريخ، فقد كان يجيد خمس لغات، هى اليونانية واللاتينية والفرنسية والإيطالية والأسبانية، بالإضافة إلى لغته الإنجليزية، وقد قرأ كل أدبيات وعلوم عصره، قرأ لوك وبيكون وإسحاق نيوتن ومونتيسكو وفولتير وروسو، وحتى القرآن العربى قرأ منه نسخة مترجمة، مازالت محفوظة بتوقيعه فى متحفه حتى اليوم، وفى شخصه تحقق حلم أفلاطون بأن يحكم العالم الرجال الحكماء وليس الرجال الأقوياء، وفى شخصه أيضاً تأكدت حقيقة أن الدول الكبرى تتأسس على أفكار كبرى ،وعلى عقول وضمائر كبيرة . ترك توماس جيفرسون ثلاث بصمات كبرى على صفحة التاريخ ،فعندما عهد إليه الكونجرس الأمريكى فى مستهل حياته السياسية بكتابة إعلان الإستقلال عن بريطانيا سنة 1776، كتب فى مقدمته تلك العبارة الخالدة التى أصبحت أشهر ماكتب فى آداب اللغة الإنجليزية فى العصر الحديث( لقد خُلق جميع الناس متساويين،وأنهم وهبوا من خالقهم حقوق غير قابلة للتصرف،وأن من بين هذه الحقوق،حق الحياة والحرية والسعى وراء السعادة)، وعندما فشل فى تمرير الفقرات النقدية التى كتبها ضد العبودية وتجارة الرقيق فى إعلانه، قام فى ولايته الرئاسية الثانية سنة 1807، وفى الحدود التى تسمح بها سلطاته، بمنع إستيراد مزيد من العبيد إلى أمريكا، وترك مسألة تحرير الموجودين منهم على أرضها لمن يأتى بعده، وهو ما أنجزه إبراهام لينكولن فيما بعد. وعندما كتب قانون فيرجينيا للحريات الدينية أثناء قترة عضويته ببرلمان فيرجينيا، والذى أكد فيه على (أن الدين علاقة شخصية بين الإنسان وربه، وهو بالتالى أبعد من متناول الحكومة المدنية)، ضمن هذا القانون اليهود والمسلمين، رغم أنه فى ذلك الوقت لم يكن هناك يهودى واحد أو مسلم واحد فى أمريكا، وعندما قام فى سنة 1820 بمبادرته الفكرية الكبرى، وقام بحذف كل الأجزاء الأسطورية من الإنجيل ، كمعجزات المسيح والقديسيين، وإستثى فقط الأجزاء التى تتضمن القيم الأخلاقية والإنسانية التى بشر بها المسيح، وأعاد ترتيبها فى كتاب عُرف فيما بعد بإسم (إنجيل جيفرسون)، كان قد أرسل إلى العالم رسالته الأخيرة، فى أن الله ثابت والدين متغير، شأنه شأن كل منتجات الحضارة الأخرى، نأخذ منه مايناسب الزمن، ونترك منه ماعفى عليه الزمن، وهكذا فعندما توفى سنة 1826، كان قد ترك بصمة الأنبياء على روح أمريكا والعالم الجديد!!!

عبدالجواد سيد









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الشريعة والحياة - بناء الشخصية المسلمة في ضوء القرآن والسنّة


.. ثمانون عاما على حملة اعتقالات -البطاقة الخضراء- الجماعية بحق


.. خطبة وصلاة الجمعة في ثاني أيام عيد الفطر بالمسجد الأقصى




.. إسرائيليون يغنون للسلام ردا على أعمال العنف بين العرب واليهو


.. شعائر صلاة الجمعة من الجامع الأزهر الشريف | الجمعة 14 مايو 2