الحوار المتمدن - موبايل


نجيب عازوري حول الاثار التركية العثمانية والخطر اليهودي

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 8 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ليس مصادفة أن تكون الرؤية السياسية هي السائدة في تفكير ومواقف نجيب عازوري. فهو ينطلق في رؤيته لواقع العالم العربي وآفاق تطور من وجهة نظر سياسية بحتة. لهذا نراه يطرح جانبا الرؤية الدينية أيا كان شكلها ومحتواها. من هنا قوله، بأن المسيحية عادة ما تفّسر العهد القديم من وجهة نظر أخلاقية رفيعة. بينما يبقي اليهود على صيغته الظاهرية المباشرة، بحيث يجعل من هذا الكتاب "خطيرا لا أخلاقيا يشكل إدانة رهيبة لهم" . ومع انه لا يتطرق إلى الإسلام بهذا الصدد، بل نراه يقيمه بصورة ايجابية في كل المواضع التي تطرق إليه فيها، إلا أن مضمون الفكرة وتأسيسها واستنتاجاته النظرية والعملية كانت محكومة برؤية سياسية صرف. وقد أشار إلى ذلك بوضوح، عندما كتب يقول، بأن القضية الكبرى التي يواجهها العالم العربي الآن وفي المستقبل تقوم في كيفية تذليل الخطر اليهودي الصهيوني. من هنا نراه يتناول النظر إلى اليقظة العربية والخطر اليهودي العالمي، كما يقول، من "وجهة سياسية محض" . وبغض النظر عن حدسه التاريخي الهائل لطبيعة الصراع المقبل قبل اتخاذه هيئة المستوى "الدولي" و"الحقوقي" وما شابه ذلك، إلا أن وضعه وتناوله لهذه القضية منذ البدء بمعايير الرؤية السياسية وليس الدينية، يشير إلى القيمة المنهجية الهائلة والعلمية الدقيقة لرؤية نجيب عازوري السياسية. بل ويمكننا القول، بأن دقة وعمق هذه الرؤية تقوم في توحيدها للرؤية الواقعية والمستقبلية على مستوى الحس والعقل والحدس. ويبدو ذلك بجلاء تام حالما تناول هذه القضية من خلال وضعها ضمن سياق فكرة اليقظة العربية بوصفها نهوضا قوميا.
وقد حدد ذلك بدوره موقفه من مقدمات الخلل التاريخي في الصيرورة العربية أو بصورة أدق انقطاعها التاريخي بفعل السيطرة التركية. وهنا أيضا نقف أمام تأسيس منطقي وتاريخي وميداني للرؤية السياسية القومية. بمعنى تحررها من رواسب الرؤية النمطية العادية في الموقف من الأتراك، والمشاكل المترتبة على النهوض القومي وحساسيته المفرطة من "السيطرة الأجنبية" أيا كان مستواها وحجمها وشكلها وأسلوبها. بعبارة أخرى، إنه تناول أثر السيطرة التركية في العالم العربي عبر موشور الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية الفعلية باعتبارها كلا واحدا، إضافة إلى رؤية الاحتمالات الكامنة فيها بالنسبة للمستقبل القومي.
إذ ليست المشكلة العربية والحالة التي انحدرت إليها سوى النتيجة المترتبة على وحدة وتفاعل النظام السياسي للدولة التركية العثمانية وإفرازها الخاص في مجال الأخلاق والثقافة. لهذا نراه يتكلم عن نظام حكم تركي لا علاقة له بالإسلام وبالخلافة الإسلامية وما شابه ذلك. بمعنى انه يسقط عنه صفة الدين والتدين والإسلام وتقاليده السياسية الحكومية، لكي يتعامل معه على حقيقته بوصفه حكما استبداديا قوميا(تركيا). وإذا كان هذه الحكم لا يخلو من ثقل المرحلة السياسية الخشنة والمتخلفة والبدائية التي انحدرت إليها "الدولة العلية"، إلا أنها تمتلك تقاليدها الخاصة. فالحكومة التركية، بالنسبة له "هي جماعة من قطاع الطرق يقودهم مجرم" . وإذا كانت هذه الصفة تلازم التاريخ السياسي للدولة التركية (العثمانية)، فإنها تحولت في مجرى الزمن إلى ما اسماه نجيب عازوري بعصابة لصوص بلغت ذروتها في شخصية السلطان عبد الحميد ، مع ما لازمها بالضرورة من انعدام الأمن والسلامة والعدالة. وبالتالي غرس مختلف نماذج ومستويات الرذيلة السياسية والاجتماعية والأخلاقية. لهذا نراه يقول، بأن كل الأمم التي خضعت للسيطرة التركية تتميز بالفقر والإرهاق وخور العزيمة. وإن هذه السيطرة أدت إلى زرع تقاليد الجبن والخيانة، وكذلك تقاليد التعصب. إذ لا تعصب في الإسلام. وأنه بقدر ما يخضع شعب للأتراك بقدر ما يشتد فقره وتقحل أرضه. وبالعكس من ذلك بقدر ما يستقل شعب يغني ويزدهر. وضرب بذلك مثالا على حالة مصر التي كان مردود إنتاجها السنوي لا قيمة له ولا ذكر في ظل التحكم التركي، بينما "تفوق فوائد الخزانة المصرية عوائد الإمبراطورية العثمانية". من هنا موقفه المتشدد في معارضته لمناقشة بعض المصريين فكرة رجوع الخليفة التركي بالضد من السيطرة الانجليزية. إذ نراه يجد في ذلك ما اسماه "ببقايا الخبل الناتجة من سيطرة المماليك والشراكسة". وقد أدى كل ذلك إلى تراكم ما اسماه نجيب عازوري بالموقف السلبي من الأتراك. وذلك لأن السيطرة التركية لم تغرس شيئا غير تقاليد "البربرية في التعامل مع المخالفين" و"غياب الرأفة والرحمة". من هنا "كره كل الشعوب للأتراك".
وعندما حاول تطبيق ذلك على حالة العالم العربي وما أدت إليه السيطرة التركية بهذا الصدد، فإنه كتب يقول، بأن من يريد معرفة الأثر الأخلاقي السيئ للسيطرة التركية فلينظر إلى أثرها على شعب كبير ذكي كالعرب مقارنة بوجودهم في ظل الحكم الأموي والعباسي والآن. فقد كان العرب في قمة الحضارة العالمية. وإنهم أكثر من دفع آنذاك العلوم والآداب والفلسفة إلى الأمام وقدموا أسماء لامعة، ولكنهم لم يكتبوا شيئا منذ خضوعهم للأتراك. الأمر الذي جعله يجد في كل زمن السيطرة التركية فعلا مخالفا لمنطق التاريخ وقوانينه. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "استمرار شعوب كبيرة (ويقصد به العرب) بالخضوع لوصاية من برابرة لا ماض لها ولا تقاليد يعتبر ضد قوانين التاريخ" . ليس ذلك فحسب، بل إن مفارقة الظاهرة تقوم في أن استمرار وقوة السلطنة العثمانية متوقفة على العرب، الذين لا محل لهم في إدارتها وفعلها وسياستها. من هنا تنبؤه الدقيق المبني على أساس رؤية سياسية واجتماعية وتاريخية موثقة، تقول، بأن استمرار الدولة العثمانية متوقف على موقف العرب منها. بعبارة أخرى، انه توصل إلى أن السيطرة التركية قائمة بالعرب، وإنه "حالما يخرج العرب من السلطنة العثمانية تنهار السلطنة. لأن العرب هم ركيزة السيطرة التركية في آسيا وأوربا" .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. النجف: واقع خدمي متردي يعيشه الاهالي في حي ميسان بقضاء الكوف


.. أحزاب المعارضة في تشاد تندد -بانقلاب مؤسساتي- وتدعو لفترة ان


.. واشنطن متخوفة من تدهور الوضع الأمني في تشاد بعد مقتل الرئيس




.. المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن: الهجوم الحوثي على مأرب يعد


.. الهند تسجل أعلى زيادة يومية في العالم بإصابات كورونا