الحوار المتمدن - موبايل


الدليل العقلي في الإيمان

سامح عسكر

2020 / 8 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في سؤال عن حقيقة وجود الله لصديق وأنه افتتن بطعون بعض اللادينيين

أقول: إعلم أن لكل منا رأيه العلمي والفكري الذي يجب أن يُحتَرم ولا نرد عليه إلا في سياقه دون مصادرة، واللاديني والملحد إذا كان مفكرا..فهذا إنسان جيد والمناقشة معه ممتعة، وقد تحدثت عن قصة وجود الله في كثير من كتبي السابقة وسيظهر المزيد منها ضمن كتابي القادم "الدين والعقل"

ولكن مبدئيا إذا أردت الخوض في هذه القضية يجب عليك أولا أن تفعل الآتي:

1- لا تخلط بين الفلسفة والعلم..فقضية وجود الله فلسفية لا علمية، ومن يحاول إثباتها أو نفيها علميا يَضلّ ولن يصل إلى شئ.

2- لا تقبل وترفض الدين لمجرد النصوص، فالنص هو ظاهرة اجتماعية وسياسية مرتبطة بالزمكان، مما يعني أن فهم النص مجردا والتشدد له وعليه سيكون محكوما بالزمكان..أما الدين فهو قضية أشمل من النص بكثير.
3- عليك الإيمان بحجية الإثبات بالتساوي في قيمتها مع حجية النفي، يعني من ينفي وجود الله لديه حججه العقلية أيضا لا يجب مصادرتها، والحكمة في تساوي حجية الإثبات والنفي في أن الله ترك فسحة عقلية تدبرية لعباده في الوصول، ولو كان العقل الإنساني لا يقبل سوى الإثبات لانتفي المعنى من وجود الأنبياء.

4- لا تتحدث من القرآن إذا كنت مؤمنا لتثبت وجود الله، وهو أيضا فاللاديني أو الملحد لا يجب أن يعترض بناءً على القرآن لينفي وجوده، والدليل والأداه الوحيدة التي يجب أن يحتكم الجميع إليها هو العقل مجردا.

5- يكون نقاشك محددا في ملف واحد (وجود أو لا وجود) مما يعني أنه لا يسمح لك ولغيرك مناقشة تفاصيل عن طبيعة الله وقدراته وحكمته..إلخ، فكثير من النفاه لوجوده عندما يفشلون في إثبات النفي يلجأون لأساليب أخرى تحرف نقاشه لجوانب ومباحث مختلفة بعيدة عن جوهر الفكرة..

لن أطيل عليك وسألخص فكرتي بسطور قليلة حول الحجة العقلية في إثبات وجود الله، وأنا هنا أتحدث عن قوة عليا مهيمنة ليست بالضرورة أن اسمها كذا وكذا وطبيعتها كذا وكذا، فهذه مباحث خاصة بالأديان وفيها تباين شديد..

وأبدأ بنقد الفكرة المؤثرة على خيالات المؤمنين والملحدين في تصور هذا الكون، فالمؤمن يرى أن الكون في انحدار دائم لأفضلية سلف عقيدته الأول عن ما سواه، أو ما اصطلح عليه إسلاميا بعقيدة "خير القرون" أو "السلف الصالح" وهذه الفكرة وجدت في كل الأديان أن الأفضل دائما كانوا أنبياء وصالحين وأصدقائهم الذين جرى تقديسهم لاحقا في مرحلة الصراع التي شرحتها في مقالة "الدين بين الطبيعة والتحدي" أما الملحد فهو عكس المؤمن هنا، فهو يرى أن الكون في تطور دائم أولا : لبدائية الكون كما يراه الذي كان هو الدافع المؤثر في بدائية الأديان، وثانيا: أن التطور والاحتكاك والصيرورة معناه الارتقاء والتقدمية والاستفادة من التجارب..وفي الحقيقة أن هذه الجزئية الثانية أتفق فيها الملحد تماما لكن أختلف معه في إسقاطها لإثبات النفي..لأنها تعني العكس فهي دليل على السببية وترابط قوانين الكون التي ينكرها أحيانا في معرض نفيه لوجود الخالق..

الحقيقة أن الكون لا هو في انحدار دائم ولا في تطور دائم للأفضل، بل هو في حالة صيرورة قد تنقل الحيوات للأفضل أو تنقلها للأسوأ مرة واحدة، وقد تتداخل عوامل لاعلاقة لها بالإنسان في تحديد ماهية تلك الصيرورة كالأوبئة والكوارث الطبيعية مثلا، فهي مؤثرة على فكر وتطور الإنسان وطبيعة نظاميه الاجتماعي والسياسي مما يؤثر بشكل مباشر حول تصوره لدينه ، وبالتالي فالكون المتغير بذاته يؤدي لتغير فكري وعقائدي مستمر لدى البشرية، والإنسان منذ فجر التاريخ حقق هذه المعادلة في التغيير بظهور آلاف الأديان والأيدلوجيات واختفائها ثم ظهور أخرى..وهكذا

هذه الصيرورة الكونية التي يؤمن بها اللاديني هي دليل على سببية الأشياء وقوانين الكون، وأن العلاقة الأزلية بينهم "علة ومعلول" ومن هذه القاعدة أبني إيماني القائم على أن السببية هي حالة نظام في الأخير، فلو قلنا أن أصل الكون علميا نظرية البيج بانج فيكون النظام اللاحق عليها دليل على قوة عليا لها حكمة في الإيجاد المُنظّم بهذا الشكل، وإلا فالإنفجار الكبير لو كان فوضويا وأدى لنتيجة فوضوية ما دارت الأجرام والمجرات في مدارات مختلفة يحكمها قانون فيزيائي صارم، ولا حافظت أجزاء الذرة على وجودها وكتلتها والفراغات بينها بشكل منتظم، أما لو قلنا أن أصل الكون فلسفيا هو الوجود الضروري والعَرَضي فيلزمنا إثبات الضروري أولا لإثبات العَرَضي.

أقول أن الوجود الضروري – أو ما يسميه فلاسفة المسلمين بواجب الوجود – أصله في مفهوم الوجود المُنظّم الذي سقناه منذ قليل في معرض إثبات السببية، فمعنى النظام الكوني هو وجود خط زمان يحكم ما قبل النظام إلى منتهاه، وذلك أولا علميا: لاستحالة أن يُولَد النظام من فوضى كما في القانون الثاني للديناميكا الحرارية ، وثانيا فلسفيا: لصيرورة الكون وسببيته التي تتطلب علاقة خاصة بين الأضداد والمختلفات لفاعلية تلك القوانين الحاكمة، فالقانون لو كان يحكم متشابهات فليس بقانون..لابد من وجود أبيض وأسود وصالحين وأشرار ليستقيم القانون ويصبح وجوده ضروريا، وهكذا الكون..لابد من اجتماع المختلف والضد ليبقى ، وحتى هذه لها تفسيرها العلمي في القانون الأول للديناميكا الحرارية.

أما الوجود العَرَضي – أو ما يسميه فلاسفة المسلمين بممكن الوجود – هو الأجزاء والأشياء والمخلوقات جميعها، ووجودها ذاتيا يدل على علاقة سببية حكمت الكون لتواصل أجيالها وأشكالها، فالإنسان عام 2020 دليل على إنسان وُجد قبل 50 عاما و 1000 عام ومليون عام..وهكذا، مع العلم أن الوجود العَرَضي قد يكون موجودا في الحِسّ أو لا يوجد، مثلما وجدت أشياء وأجزاء لم يعرفها السابقون..وانقرضت أشياء وكائنات لم يعرفها اللاحقون..وهكذا، لاسيّما أن الوجود العَرَضي هو الحالة التي عن طريقها كشف الإنسان سببية الكون ، وتغير جزئياته وصيروراتها الدائمة هو الحاكم على بقاءه، فلو لم يتغير الكون وصار على منوال واحد لتفجّرت طاقاته بشكل عبثي وينتهي أو يأخذ دورته في طريق الفناء، مثلما تنتهي أنظمة سياسية متكلسة فشلت في تجديد نفسها أو الاستفادة من متناقضات المجتمع في الإدارة..

فالبشرية تجمع بين القوة والضعف..الذكاء والغباء، لو لم يوجد تنوع وصار الكل ذكيا لانتفي معنى الذكاء من أصله ، وبالتالي صار وجود الغباء والضعف دليلا على وجود الذكاء والقوة، وهذا معنى أن بقاء الكون على منوال واحد لتفجرت طاقاته بشكل عبثي ، وانعدمت القيم جميعها سواء كانت قيم كمومية عددية أو قيم أكسيولوجية فلسفية، وهذا ما يحيل العقل وجوده، فلابد ولكي يوجد الصدق يوجد الكذب، ولو لم يوجد رقم 2 لأصبح رقم 3 لا معنى له...وهكذا، فضلا أنه لو تركنا كل هذه المعادلة وفرضنا أن الكون كان على وضعية غير قيمية لا يحتكم فيها لما نعرفه من قيم فهذا يعني أنه كان على وضعية مختلفة لا نعرفها وبالتالي فهو يخضع أيضا لمبدأيّ "الصيرورة والسببية" اللذان يمثلان محور الإيمان بنظام هذا الكون في الأخير..

فلا يزعم أحد من الملحدين أن وجودا طارئا لشئ يحدث بمعزل عن محيطه، فكل وجود طارئ يعتمد على حقيقة طارئة لها علاقة بالمحيط وتستمد شرعيتها منه، مما يعني أن أي تغير في الكون يحدث لا يجري بمعزل عن قوانين الكون ونظامه، وبالتالي فحتى لو فرضنا أن الكون أبديا لا بداية أو نهاية له..ولكن صيرورته دليلا على وجود قوة عليا مهيمنة حفظت نظامه وطاقته كي لا تذهب في طريق الفوضى وبالتالي الفناء، ويبقى أن أزلية الكون هنا تناقش كمبحث عقلاني خاص في ارتباطها بتلك القوة العليا المهيمنة..لا أن يُستدل بها على نفي وجود الله لأن العقل كما رأينا يثبت وجوده كقوة عليا مهيمنة تحفظ هذا النظام.

أما من ينفي الإيمان بناءً على سلوك المؤمنين فكان يجب عليه أولا الوصول لمصادر الشر أو الدوافع الإنسانية للسلوك الضار، وهذا مبحث اجتماعي أنثربولوجي وطبي أحيانا، فالناس يفعلون الشرور لأسباب متعددة منها مثلا "المعلومات الخاطئة والإحباط والطمع والغرور والحالات النفسية والمزاجية، إضافة لمشكلات الإدراك العقلي والحسّي والشعوري" وكما نرى أن هذه الأسباب جميعها ليست دينية ولكن "إنسانية" أي مرتبطة بالإنسان نفسه وبالتالي فهي قد توجد في مؤمنين وملحدين بشكل طبيعي، مما يعني أن الشر والجهل صفة بشرية لا علاقة لها بدين.

ويمكن أن يتساوى المؤمن والملحد معا في الشر إذا حكموا الدول، فالرؤساء يهمهم أن تبقى الجماهير تحت سلطتهم مُكبّلين بالأغلال والقيود لفرض السيطرة، مما يعني أن دولة دينية قد تساوي دولة أخرى لادينية في فعل الشر، وما يضبط هذه المسألة هو القانون العلماني في فصل كل ما هو ديني عن السياسة وشئون الحكم لسبق العلم بالتجارب أن الأسباب السابقة لفعل الشر تحدث في هذين الإطارين معا أي في "السياسة والدين" وبالتالي فالفصل بينهم يقطع جزءا كبيرا من فعل الشر أو يقضي على بعض مصادره، والعالم الآن يشهد حروبا دينية وطائفية بين المسلمين بالأخص كان المُحرّض الأساسي عليها دولا سُميت بالعلمانية كما حدث في أفغانستان والعراق بتحريض الولايات المتحدة للأصوليين واستخدامهم كوقود لصراعاتها ،مما يعني أنه ليس كل من سمى نفسه علمانيا هو كذلك..بل يجب أن يُصحَب هذا الانتماء العلماني لسلوك على الأرض.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. يوميات رمضان من القدس مع خطيب المسجد الأقصى عكرمة صبري


.. الشريعة والحياة - الشيخ الريسوني يتحدث عن فروض الكفايات وأثر


.. قناة الانسان




.. نشرة الرابعة | تعرف على مسجدي الزرقاء وسديرة بعد اكتمال ترمي


.. أهمية المال في الإسلام | #بذور_الخير الحلقة السابعة