الحوار المتمدن - موبايل


الحقيقه بين المنطق والعاطفه

أياد الزهيري

2020 / 9 / 5
المجتمع المدني


يُنسب الى الفيلسوف الأغريقي أرسطو مقولة ( الأنسان حيوان ناطق) , ومن الطبيعي أن النطق هو تمظهر لعملية التفكير التي يقوم بها الأنسان , فالأنسان يعبر عن مواقفه المختلفه وحاجاته الكثيره , وعن ما يجول في نفسه من عواطف وأحاسيس عن طريق آلية النطق . والنطق هو أحد ألآليات التي يستعملها الأنسان كوسيلة أتصال للتفاهم وأحياناً للدفاع والهجوم أتجاه الآخرين , حتى قيل شعبياً ( الحقوك يحتاج لها حلوك) , وذلك تعبيراً عن أن الكلام واحد من اهم الوسائل التي يدافع بها الأنسان عن حقوقه , بعد أن كان يستخدم يديه وينتزع ما يبغيه بقوة يديه , ولكن مع تمدن الأنسان وتطوره أُستهجنت هذه الطريقه وأعتبروها طريقه بدائيه لا تليق بالأنسان العاقل , لذلك قيل (أذا توقفت العقول تحركت الأيدي) . على العموم بدأ الأنسان في مسيرته التطوريه يستخدم أساليب متعدده كثيره من الكلام , لا تخلو من فنون كثيره , حيث الشعر , والنثر الفني , أضافه لتقنيات الألقاء التي لها تأثيراتها على المتلقي , فقد شاهد الفيلسوف الأغريقي أرسطو أن هناك جدل محموم يحدث بين المتحاورين , وهذا الجدل يعتريه الكثير من المغالطات والحيل ولكن بأسلوب كلامي مزوق , حتى أصبح المتحاورون يستخدمون فنون الكلام كسلاح لأفحام خصومهم , فتعقد الجلسات الحواريه بما يشبه حلقة المصارعه ويبدأ الجدل وترتفع حرارة النقاش الى حد الغليان , وقد أطلق على هذا اللون من الكلام بالسفسطه, حتى أن القرآن عبر عنها (وكان الأنسان أكثر شيء جدلا) , بحيث كل يدعي الحقيقه بطريقته الخاصه , فتضيع على العامه الحقيقه , ويجعل الناس في حيره من أمرهم , فكل يدعي الحقيقه , مما ساهمت هذه السفسطه بفقدان الكثير من الحقوق , وضاعت على الناس كثير من الفرص الذهبيه , في التطور والأرتقاء بسبب موقف يُتخذ من قبل متعصب أو أناني يقدم مصالحه الخاصه على المصلحه العامه , أو لغايه في نفسه . هذا الواقع المرتبك , وما يحدث من تشويش نتيجه لذلك , دفع هذا الفيلسوف الى كتابة منطقه الذي سميَّ بأسمه (المنطقي الأرسطي) متأملاً أن يضع حد لهذا الجدل العقيم , والذي يجعل الناس تدور في حلقه مفرغه . هذا المنطق يعتمد الأستنباط القائم على الأستقراء , وهو منطق بسيط ويمثل المحاوله الأولى للأنسان في أيجاد آليه منطقيه للوصول للحقيقه , وبعد ذلك جاء المنطق التجريبي , وهو منطق يعتمد على التجربه والمشاهده ومن رواد هذا المنطق هو الفيلسوف الأنكليزي فرنسيس بيكون (1561-1626م) , وبعد ذلك جاء المنطق الرياضي , ويدعى كذلك المنطق الرمزي , والذي يرجع ظهوره الى (لايبنتيس) , وثم (جورج بول) (1815-01864), وكل ذلك من أجل أن يصل الأنسان الى أكبر دقه ممكنه في نيل الحقيقه , وتقليل نسبة الخطأ في قرارات الأنسان وما يدعيه من حقائق .
نستطيع أن نستخلص مما ذكرنا أعلاه أن آلة المنطق هي آله نصل من خلال تطبيقاتها الى الحقيقه كما هي , ووضع حد لكل الترهات والخرافات, والعصبيات القائمه على هوس النفوس وأمراضها , وكل الطرق الغير نزيه التي تحاول الألتفاف على الحق , وغبن أهله , وعدم السماح للباطل بالأختباء وراء الكلمات المظلله. من الملاحظ أن المنطق يعتمد في ألياته على مسلمات عقليه , والتي تسمى بديهيات , وهي أمور يسلم بها العقل , ويتفق عليها الجميع , ولا يمكن للأنسان نكرانها ,لأنها أسس وعلاقات منطقيه ينطوي عليها العقل السليم , وعن طريقها يمكن للأنسان أن يصل الى نتائج يصعب على الأخر المختلف نكرانها بأعتبارها من المسلمات الطبيعيه . هذا المنطق الحديث وضع حداً لكثير من الأنتهاكات والتجاوزات التي حدثت بين بني البشر نتيجة أختلاف مصالحهم وتقاطع رغباتهم , وحقنت الكثير من الدماء وحفظت الكثير من الحقوق , بل وتقدم الأنسان الى الأمام في كثير من الحقول في ميادين العلم المختلفه.
في القضايا العلميه هناك ضوابط وتعليمات لا يمكن تجاوزها لذى باتت الضوابط المنطقيه صارمه ولا تقبل الجدل فيها , لذلك بقت بعيده عن التلاعب والمزاجات , لكن المشكله أن المواقف اليوميه للأنسان في كل مجالات حياته , سواء فيما يخص أعتناق مبدأ ,أو بالدفاع عنه , كما في العلاقات العامه , وفي الموقف من الأوضاع السياسيه , وحتى الشخصيه , وينسحب الى الموقف من التاريخ والمعتقد الديني والأنتماء الحزبي , وحتى المناطقي , وفي الحقيقه في كثير من تفاصيل الحياة التي تتطلب موقف معين من الأنسان , تعتمد بشكل كبيراً جداً ويكاد يكون مئه بالمئه على ما تعكسه المشاعر , وما تقرره الرغبات , وما تختاره الأمزجه , ولا ننسى المصالح , والتي تلعب دوراً كبيراً في تقرير المواقف للأنسان , وبما أن المشاعر والرغبات والمصالح مختلفه بين بني البشر , لذى أسس ذلك الى بروز الصراعات والأحتلافات بينهم , والذي أدى في كثير من الأحيان الى مصادمات دمويه , والى حروب أمتدت حتى لعشرات السنين , وراحت ضحيتها ملايين من البشر .
هذه الأيام بالحقيقه ونحن نعيش حاله من الشحن الطائفي, والحزبي , والمناطقي , والأثني , تكون للنزعات الغرائزيه الدور الأكبر في تقرير المواقف , حيث تشحن النفس بالحقد والكراهيه , مما يؤدي الى حاله من الشد المجتمعي يغيب فيه العقل غالباً قي تبني المواقف وأتخاذ القرارات , حتى أن تحليل الأحداث السياسيه والأجتماعيه لا تخضع للعقل , بل يكون التعصب هو الحاكم في تبني المواقف. فمثلاً في مجتمعنا تتبنى الكثير من المعتقدات على أساس عاطفي , وتلعب المشاعر دوراً رئيسياً في ذلك , لذى ترى أصحاب الأيديولوجيات المختلفه يختلفون في كل شيء , ويصعب أن يلتقوا في نقطه مشتركه واحده , لذى ترى مسيرتهم مليئه بالصراعات والصدامات , والتي تتخذ غالباً شكل الصدامات والتي تصل الى حد التصفيه الجسديه , وهذا ما لمسناه في تصفية البعثين للشيوعين والأسلاميين في العراق , والتي أتخذت شكل الأغتيالات الجسديه وحكم الأعدام على المخالفين , والتي وصلت أعدادهم بالآلاف , حتى وصل العنف الى درجة التوحش المفرط , فأخذ الخصم يقوم بأعمال بشعه , من مثل الأعدام بالتيزاب , وقطع الرؤوس بالسيف والدفن بالشفلات بمقابر جماعيه , وهذه أقسى أنواع الساديه التي قام بها أنسان بأتجاه آخر مخالف له بالرأي والأعتقاد. لم تكن المواقف المتشنجه والمتعصبه تنحصر في المجال السياسي أو الديني , بل نراها بوضوح بالحياة العامه , وبين عامة الناس , وخاصه في المجتمعات الجاهله , حيث تلعب الحاله النفسيه للشخص الدور الأعظم في تشكيل مواقفه أتجاه الأخرين , فمثلاً الشخصيات الأنانيه , والتي تعاني من أعتلال نفسي , مثلاً الذي يعاني عقدة النقص , وكذلك من تعرض لغسيل الدماغ , أو من يعيش بيئه ضيقه , وتربيه متعصبه , تراه متشنج المواقف , وأما من تسيطر عليه نوازع المصلحه تراه متقلب المتبنيات , ويدور دوران مصلحته , وهذا ما ساهم بخلق بيئه وعلاقات قلقه لا يمكن أن تركن الى حاله من التعاون الذي يحتاج الى الأستقرار في المواقف والرؤى بين الأفراد , فترى المجتمع الذي تغلب على أفراده التعصب والجمود الفكري وعقلية المصالح تراه مجتمع قلق ومتشظي البنيان , قابل للأختراق , ينتهي بالضعف والهشاشه , ويمكن من السهل لمس هذا الهزال المجتمعي في مجتمعنا العراقي , وخاصه في فترة ما بعد 2003م .
كما يمكننا الأشاره الى موضوع غايه بالأهميه الا وهو أن منطق المستبدين هو منطق القوه , وأن الحق مع القوه , وقد فلسف لهذا المنطق للأسف من أمثال نيتشه , وحتى هيغل , وفي أحضان هذه الفلسفه تربى هتلر , ومن هذه المدرسه تخرج دكتاتوريون من أمثال صدام حسين , حيث تربوا في بيئه قبليه ذات قيم يكون فيها البقاء والهيبه والمكانه الأجتماعيه للأقوى , وهي البيئه التي تربى فيها معظم الطغاة , كما للأسف أن الشعوب التي تعيش في كنف هذه الأنظمه تتشبه بهم , وتستنسخ من أخلاقهم , وتتمثل بهم , وهذا ما أشار اليه عالم الأجتماع العربي أبن خلدون , حيث يقول ( المغلوب مولع بتقليد الغالب) وهذه الظاهره تحولت الى ظاهره واضحه في المجتمع العراقي بعد أن عاش فتره 35 سنه تحت سلطة البعث , الذي مارس القوه والعنف أتجاه معارضيه بأعنف صورها وأوحش أساليبها, واليوم نرى هذا اللون من التعامل العنيف حتى بين أفراد الأسره الواحده , حتى أننا نستطيع وصف المجتمع العراقي , عباره عن حلبة صراع يتصارع فيها الكل ضد الكل , ولا يتوانى كل فرد أو فئه من أستخدام كل الوسائل العنفيه لتحقيق الغلبه على خصمه من أبناء بلده , حتى حدث ما يشبه الحرب الأهليه , سواء بين الطوائف أو القوميات المختلفه , أو بين الفئه والطائفه الواحده , حتى يمكننا القول أننا نعيش صراع الكل ضد الكل, هذا الوضع الشاذ هو من جعل البلد الآن على حافة الأنهيار والتقسيم , حتى أصبح مرتع لكل مخابرات العالم , تسرح وتمرح به وبمساعدة الكثير من أبناءه . هكذا تكون المجتمعات التي يهيمن عليها التفكير التعصبي البعيد عن المنطق , فيرجع القهقري الى بداياته ذات الطابع البدائي , التي تعتمد العنف في تحقيق مطالبها , وهي مرحله يُلغى فيها العقل , ويدخل في أجازه طويله يتخللها الكثير من الهرج والمرج , وضياع كل القيم الرفيعه , وتسوده فيه القيم الوضيعه .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس التونسي يشدد على ضرورة مكافحة الفساد داعيًا القضاة إل


.. الشرطة تطوق شارعا خارج مقر الأمم المتحدة و تعتقل رجلا مسلحا


.. مراسل العربية: المسلح أمام مقر الأمم المتحدة مختل عقليا




.. الأمم المتحدة تتحدث للعربية عن الوضع الإنساني في أديس أبابا


.. بسبب أزمة المهاجرين.. ليتوانيا تسعى لتمديد حالة الطوارئ الحد