الحوار المتمدن - موبايل


جزاء سنمّار أم موت الأب ؟

عبد اللطيف بن سالم

2020 / 10 / 16
المجتمع المدني


سنمار هذا هو مهندس معماري شهير وهو الذي خطط وأنجز قصر " الخورنق " للملك النعمان بن الشاعر الجاهلي امرئ القيس ولما انتهى منه رماه النعمان من أعلى القصر ليموت ولا يصنع مثله لأحد .
والأب هو السبب المباشر في وجود الأبناء وتربيتهم والعناية بهم حتى يكبروا وينضجوا ويكتملوا ( كما اكتمل الخورنق ) ويرشدوا ويصبحوا مسئولين عن أنفسهم ويستلموا المشعل ليواصلوا ...

ووجه الشبه هنا بين سنمّار والأب هو أن كلا منهما قد أتم المهمة التي أنيطت بعهدته على أحسن وجه وكما يجب أن تكون وربما أكثر لكن السؤال هنا هو هل صار الأب اليوم ( في تونس بالأخص) مثل سنمّار لابد من قتله ؟؟؟

نعم ولكم هذا الحوار الذي وقع بين أب وابنته يكشف عن ذلك بالحجج والأدلة :

__ الأب : ابنتي لقد أصبحت الآن كبيرة وميسورة ، هل تدفعين لي ببعض الدراهم لأقضي بها بعض حاجاتي الضرورية ؟

__ البنت : ماذا تفعل الآن بالدراهم يا أبي وأنت في هذه المرحلة المتقدمة من العمر؟

__ الأب : وهل ترين ابنتي الغالية بأنه قد انقطعت علاقتي بالحياة الراهنة و زهد ت في كل شيء؟ هل صرتُ كما يقول بعض الجهلة أحيانا (يأكل في القوت ويستنى في الموت )؟ هذا غباء وليس مثله من غباء لأنه لا يأس مع الحياة أبدا إلى آخر رمق في الحياة .
__ البنت : لا يا أبي لم أقصد شيئا من ذلك أبدا ولكن رأيت أنك قد وفّرت لك ولنا كل ما نحتاج إليه فرأيت أنه عليك الآن أن تستريح من مطالب الحياة العديدة ومشاغلها .
__ وهل ترينني في عمري هذا قد انتهت كل طموحاتي ورغباتي وشهواتي وصرت ميتا في شكل حي . هذا إذن جزاء سنمّار أو موت الأب في هذا المجتمع يا ابنتي ؟
__ لا يا أبتي رعاك الله وأطال في عمرك .ما قصدت شيئا من ذلك ....
__ لتعلمي إذن ابنتي الحبيبة – مما لم تكوني تعلمين – أن المرء كلما تقدمت به السّن وصار مُشرفا على النهاية كما تعتقدون وانتهت به الحياة إلى المراحل الأخيرة كلما كبُرت به آماله وازداد شغفا بالحياة ونعمها ولذاتها لأنه " قريبا " سيفارقها كما تتصورون ، وربما تجاوزت الطموحات لدي البعض من الشيوخ هذا العالم الواقعي إلى التفكير في العالم الغيبي وما فيه كما يدعي البعض من الخيرات والنعم التي لا تنتهي ، وما ذلك إلا دليل على رغبة الإنسان مهما طال به العمر في الحياة الجميلة والممتعة .
يقول جان جاك روسو الأديب والمفكر الفرنسي في كتابه " أميل ": ( إن الشبيبة هكذا فرحة مستبشرة لأنها لا تعرف شيئا كثيرا أما الشيخوخة فإنها حزينة كئيبة لآنها قد عرفت كل شيء " أو هذا ما يبدو لها " ومن حسن حظها أنها إذا انتهت معها أسرار هذه الدنيا فكرت في أسرار الآخرة ) وربما لذلك نرى الكثير من الشيوخ هم أكثر الناس تعصبا وتمسكا بالاعتقاد في الغيب وفي الحياة بعد الموت لتحقيق المزيد من اللذات والنعم في جنة الخلد الموعودة من الديانات السماوية .
__ عليك إذن ابنتي العزيزة أن تُحدثي في ضوء هذه المعلومات تغييرا جذريا في عقليتك ولا ترمي مجددا بجهلك على أبيك أو على أمك بل تصوّري كلا منهما دائم الحضور في العالم مهما طال به العمر متجذّرا في بيئته ثابتا دوما كنخلة في واحة يتمتع بالصحة والعافية وبالصبح مشرقا ما دمنا فيه لا نخاف عليه أن يزول حتى يزول كما كان يقول إيليا أبو ماضي ...
ولا تقاس الحياة ابنتي بطول العمر أو قصره وإنما بالأيام الجميلة التي نعيشها فيها سُعداء إذ المعروف أن غاية الإنسان في هذه الدنيا هي السعادة وليست التعاسة أبدا مهما كانت الأحوال .
واحذري ابنتي أن تكوني من صنف شباب اليوم الذين يكاد التهميش المسلط عليهم من هذه العولمة وثقافاتها المشبوهة أن يُفقدهم الإحساس بالبنوة و( الأبوة أيضا )هائمين على وجه البسيطة منبتّين وغير منتمين حتى يسهُل التغرير بهم واستهلاكهم في أي حين كما يحدث غالبا لهؤلاء الشباب الإرهابيين ( المساكين ).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اليمن: الأمم المتحدة تندد بحصار الحوثيين على مدينة تعز واستف


.. الأمم المتحدة ستواصل مهمتها السياسية في أفغانستان بعد رحيل ا


.. بين سام وعمار: الفرق بين أميركا وأوروبا في دمج الأقليات المس




.. حديث الخليج - مستشار قانوني: قوانين السعودية تحمي حرية التعب


.. شاهد: متطوعون يوزعون وجبات الإفطار على النازحين السوريين في