الحوار المتمدن - موبايل


إلى من يهمه أمر التعليم العالي في العراق

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2021 / 2 / 10
التربية والتعليم والبحث العلمي


يتداول الجامعيون بأستمرار مصطلح الحرية الاكاديمية في اروقة الجامعة وخارجها. وهم يقصدون بذلك ان لا تتدخل الاحزاب السياسية والمؤسسات الدينية وسواها في الشؤون الجامعية ومحاولة تسييرها على وفق اهؤاها ورغباتها وتوجهاتها السياسية ,بصرف النظر عن ماهية هذه التوجهات وطبيعتها ومدى صوابها او خطلها، وانما يعطى للجامعة الحرية الكاملة في تصريف شؤونها العلمية والاكاديمية والتربوية من خلال مؤسساتها المختلفة, وبما يتوافق مع قوانينها ونظمها التعليمية والدراسية, وينسجم مع القيم والاعراف الجامعية المتعارف عليها محليا ودوليا, والاخذ بنظر الاعتبار الموروث الحضاري والانساني للامة, والانفتاح على حضارات وثقافات الامم الاخر ,من منطلق حوار الحضارات بعيداً عن المغالاة والتعصب. وبذلك تكون الجامعات منابر حرة مفتوحة للفكر العلمي والانساني بجوانبه المختلفة دون خوف او وجل، وان تبحث الجامعة بكل حرية وامان في العلوم والمعارف المختلفةالمختلفة إثراءا للمعرفة ونشرها، وان تسعى لتوظيفها بما يعود بالفائدة على مجتمعاتها، وخلق الاجواء العلمية التي تتفجر فيها الطاقات ويتجلى فيها الابداع بارقى صوره، ذلك ان الجامعات احد اهم مصادر الخلق والابداع وإثراء المعرفة في عامنا المعاصر.
ولكي تتمتع الجامعة بحريتها الاكاديمية، فانه في المقابل يتوقع منها ان تؤدي وظائفها بصورة صحيحة, وبما يعود بالنفع على مجتمعاتها, وان تمد جسور التعاون مع مؤسسات المجتمع المختلفة لبلورة فهم واضح ومشترك لمفهوم الحريات الاكاديمية ,كي لايكون ذلك ساتراً لتغطية اخفاقات الادارات الجامعية, او تبديد ثراوتها في مشاريع علمية فاشلة، او سبباً لمنع مساءلتها في هذه القضية او تلك، اي ان لا يترك الحبل على الغارب كما يقال شعبياً. اي باختصار ان تكون الحريات الاكاديمية حريات موضوعية وعلمية مسؤولة ومدركة لطبيعة العمل الجامعي وابعاده وانعكاساته على المجتمع باسره.
ولكي تزدهر الحريات الاكاديمية لابد ان تزدهر البيئة الجامعية اولاً ,وان يؤدي الجامعيون وظائفهم على افضل وجه، وبذلك تضمن الجامعة مساندة فئات المجتمع المختلفة ومؤسساته لمطالبها بتعزيز حصانتها العلمية، اذ تسعى جهات كثيرة للتدخل في شؤون الجامعة بدعاوى شتى والتي قد يؤدي البعض منها الى وأد الحريات الاكاديمية, إذ لم تعد الجامعة برجاً عاجياً ينصرف فيه العلماء لانجاز بحوثهم على وفق اهواءهم ورغباتهم دون اية مداخلة من اي جهة كانت، كما كان حال العلماء في العصور المختلفة في الصين واليونان والهند وبلاد الرافدين ووادي النيل واوربا والبلاد العربية والاسلامية.
إن إستقلالية الجامعة مصانة بحدود قوانين المجتمع الذي يمول أنشطتها وفعالياتها، وهنا، يبرز التساؤل المشروع، هل أن بالإمكان حقاً أن تمارس الجامعة قدراً معقولاً من الإستقلالية بتصريف شؤونها العلمية والأكاديمية، وأن تمارس فيها الحريات الأكاديمية في الوقت الذي تنتهك فيه أبسط حقوق الإنسان في مجتمعاتها، فضلا عن جواسيس السلطة ورجال أمنها ومخابراتها المنتشرين في جميع مرافق الجامعة. والجامعة جزء من مجتمعها وإن كانت طليعة من طلائعه وفصيل علمي وثقافي وحضاري متقدم من فصائله، إلاّ أنها تتأثر حتماً بما يتعرّض إليه مجتمعها من إستبداد وإنتهاك للحقوق والحريات, شأنها بذلك شأن المؤسسات العلمية والثقافية الاخر، وربما بدرجة أكبر من سواها لما لها من تأثير هام وتأثير بالغ في مجتمعاتها بوصفها مركز إشعاع علمي وحضاري لا حدود له.
وخلاصة القول ان الجامعة ميدان حر للتفكير العلمي دون اية قيود في جميع التخصصات علمية كانت ام انسانية وفي جميع الاتجاهات , وبما يتوافق مع الحقائق العلمية باعتماد اساليب البحث العلمي الرصين وطرائقه ومناهجه. والجامعة بما تزخر به من طاقات علمية خلاقة، وبيئة علمية متفتحة، انما تمثل المكان الصحيح لتلاقح الافكار وحوار الثقافات الانسانية المختلفة من منظور حوار الحضارات وانماء الفكر الانساني الذي يمثل جهود اممية مشتركة، بعيداً عن المغالاة والتعصب، وبروح بناءة وبشفافية عالية، وبما يعود بالمنفعة على جميع المواطنين دون تمييز بسبب اللون او العرق او الجنس او المعتقدات، اذ ينبغي ان يكون العلم حقاً مشاعاً لعموم الناس، وان توظف معطياته ونتائج بحوثه العلمية لمصلحة الجنس البشري حاضراً ومستقبلاً. ولابد ان تسعى الجامعة الى احياء تراث امتها الحضاري وبعث ثقافتها من منظور عصري، وان تسعى الى الحفاظ على هويتها الوطنية كي تاخذ امتها دورها اللائق بين امم وشعوب العالم، اي ان تكون امة منتجة للعلم والثقافة والتقانة، لا ان تعيش على هامش نتاج الامم الاخر.
نأمل أن لا يكون موضوع رسالة الماجستير التي جرت في أروقة جامعة الموصل مؤخرا , وما رافقها من لغط , والموسومة : " المسيحية الصهيونية الأمريكية ودورها بغزو العراق 2003 " , مدخلا للتدخل السافر في شؤون الجامعات العراقية والحد من حرياتها الأكاديمية التي كفلها لها القانون , حيث أوعز رئيس لجنة التعليم النيابية دون وجه حق بإيقافها , على الرغم من التوضيح الصادر من المشرف على الرسالة ,إن الرسالة تتحدث عن "الحركة الصهوينية الأميركية في العراق ودورها في الغزو ,ولا تمس أي دين سماوي فالدين خط أحمر لا يمكن التجاوز عليه، أما هذه الدراسة فهي أكاديمية وتاريخية" , وهذا أمر تقرره الجامعة ومجلسها الموقر.
برزت في الآونة الأخيرة ظواهر غريبة عن قطاع التعليم العالي , فقد تناقلت وسائل الإعلام المختلفة قبل مدة قصيرة , خبر إقدام مجلس النواب العراقي على تشريع قانون غريب شكلا ومضمونا , وبعيد عن كل القيم والأعراف والسياقات القانونية بصورة غير مسبوقة في العراق والعالم أجمع , لتحديد ما أسماه بأسس معادلة الشهادات الأجنبية بمثيلاتها الشهادات التي تمنحها الجامعات العراقية , الأمر الذي أثار غضب الأوساط الأكاديمية العراقية داخل العراق وخارجه.,لما يمثل هذا القانون من خرق فاضح لكل القيم والأعراف الجامعية , ويعد تدخلا سافرا بشؤون الجامعات العراقية التي لا يمتلك أحدا سواها البت فيها, تحت اي مسوغ أو أي مسمى كائنا من يكون , ذلك أن الجامعات منابع فكرية , وكيانات علمية مستقلة قادرة على إدارة شؤونها العلمية والتربوية والأكاديمية بموجب قوانينها الخاصة , وتمكينها من أداء وظيفتها المتمثلة بإنماء المعرفة وإثرائها ونشرها وتوظيفها لخدمة مجتمعاتها دون خوف أو وجل, في أجواء أكاديمية شفافة ومنفتحة. كما أقحم مجلس النواب نفسه وجهات أخرى لا علاقة لها في موضوع الترقيات العلمية التي هي أساسا من صلب عمل الجامعات حصرا .
وإستنادا لهذا التشريع الغريب والمريب في غاياته وأهدافه , قامت بعض الوزارات بإصدار تعليماتها تحت باب الترقيات العلمية لمنتسبيها , أي منحهم ألقاب علمية غير مستحقة لهم , ذلك أن هذه الألقاب ألقاب تمنح لإعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات حصرا , إذ أن لكل مهنة مسمياتها المهنية الخاصة بها . فالأطباء مثلا العاملون في القطاعات الصحية العامة والخاصة , يحصلون على ألقابهم المهنية بموجب تعليمات تحددها نقابة الأطباء/ جمعية الأطباء بالتنسيق مع وزارة الصحة , يتدرجون بموجبها من طبيب مقيم إلى طبيب عام بعد دورة تدريبة معينة في المستشفيات المعتمدة, يسمح له بعدها بممارسة الطب العام . يصبح طبيبا أخصائيا بعد حصوله على شهادة طبية عليا بتخصص معين في الطب أو الجراحة, ويترقى من إختصائي إلى إستشاري ,وصولا الى إستشاري أقدم بحسب مؤهلاته طبقا للتعليمات الطبية النافذة في كل بلد. وكذا الحال للمهندسين فقد صنفت المادة (12) من قانون نقابة المهندسين ذي الرقم (51) لسنة 1979, المهندسين لممارسة المهنة الهندسية إلى : مهندس مساعد , مهندس ممارس , مهندس مجاز , مهندس إستشاري , بموجب شروط وصلاحيات محددة في النظام الداخلي للنقابة. وحددت تعليمات نظام الترقية للمهندسين الزراعيين ذي الرقم ( 5 ) لسنة 1989 بخمسة مراتب هي : معاون مهندس زراعي , مهندس زراعي , مهندس زراعي متمرس, مهندس زراعي إستشاري , رئيس إستشاريين. ويحصل العاملون في الجامعات من أصحاب هذه المهن على ألقابهم العلمية بحسب نظام الترقيات العلمية المعمول بها في الجامعات.
نكتفي هنا بالقدر من التوضيح , إذ أن لكل مهنة تعليماتها الخاصة بتحديد مراتب ممارسيها وسبل ترقيتهم بحسب تعليمات خاصة بها , وليس هناك ما يدعو لخلط الأوراق وتداخل ألقاب المهن المختلفة ببعضها . فالأطباء والمهندسن وحاملى الشهادات العليا مثلا ليسوا جميعا أعضاء هيئات تدريسية جامعية , كما أن الحصول على شهادة الدكتوراه أو ما يعادلها لا تمنح حاملها صفة عضو هيئة تدريسية, ما لم يكن معينا بهذه الوظيفة في الجامعة , ولا يحق له التدرج في سلم ترقيات علمية في مهنة لا ينتسب إليها , ما لم يكن قد مارس التدريس فعلا لمدة معينة وأنجز خلالها بحوثا علميا معتبرة ,وأسهم بتطوير الجامعة في مجالات مختلفة , بحسب أراء خبراء أكاديميين من ذوي الخبرة والإختصاص , فضلا عن أن المراتب العلمية هي ليست مراتب شرفية , إنما تعني مسؤولية علمية وتربوية حصرا بمنتسبي الجامعات , ويتوهم كثيرا من يعتقد أن الحصول على الشهادات العليا ونشر البحوث العلمية بمعزل عن البيئة الجامعية تخوله الحق بالحصول على اللقب العلمي الجامعي , ما لم يكن جامعيا بالإنتماء لجامعة معينة , وهذه ليست بدعة خاصة بالجامعات العراقية , بل ناموسا معتمدا في جميع جامعات العالم بدون إستثناء على الإطلاق.
ويتوهم كثيرا من يعتقد أن إنجاز البحوث على أهميتها, يكفي لمنح الألقاب العلمية الجامعية, فالبحث العلمي وأن كان ركنا أساسيا من اركان الوظيفة الجامعية , إلاّ أن ذلك لا يكفي إذ أن هناك وظائف جامعية أساسية أخرى لا تقل أهمية وربما أكثر أهمية كالتعليم الذي يمثل الوظيفة الأساسية للجامعة , وخدمة المجتمع. لذا إعتمدت مراكز البحوث العلمية غير المرتبطة بالجامعات سلم ونظام خاص خاصة بترقية منتسبيها : مساعد باحث , باحث , باحث أقدم , رئيس باحثين .
لذا نهيب بكل من يعنيهم أمر العراق بعامة , وأمر التعليم العالي بخاصة أن يمد يد العون لوقف هذا الخرق الفاضح لكل القيم والأعراف الجامعية المتعارف عليها في العالم , حفاظا على ما تبقى من هيبة للجامعات العراقية , إن بقيت لها هناك ثمة هيبة في ضوء التدهور الحاد التي تشهده هذه الجامعات , لدرجة باتت فيها تصنف خارج أطر التقيم والتصنيف الدولي للجامعات , بعد أن كانت يوما مشهود لها بالتميز والرصانة العلمية , لا على صعيد جامعات المنطقة بل وجامعات العالم أجمع .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بأعتبارها سيد المقبلات.. الطرشي في محافظة المثنى لها خاصية ف


.. بايدن وهاريس يرحبان بإدانة قاتل جورج فلويد


.. هل القصاص لجورج فلويد يحقق العدالة في الولايات المتحدة؟




.. نشاط دبلوماسي متسارع في فيينا لإحياء الاتفاق النووي الإيراني


.. قضية جورج فلويد: ارتياح بعد إدانة شوفين وبايدن يصف الحكم بـ-