الحوار المتمدن - موبايل


الهجرة واللجوء في عالمٍ مضطرب - ترياقٌ شافٍ أم سُمٌّ زُعاف

محمد عبد الشفيع عيسى

2021 / 2 / 22
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ما جرى وما يزال يجرى في أمريكا أواخر عام مضى (2000) وأوائل عام جديد (2021) ليس أمراً هيّناً من المنظور التاريخي الأشمل، بل هو جلل . أمة يتغير وجهها البشرى تماماً، ومجتمع ينقلب رأسا على عقب، فماذا تتوقعون ؟ إن الشعار الذى ارتقى به "دونالد ترامب" إلى سدّة الرئاسة فى مثل هذه الأيام من عام 2017 ، أى : " أمريكا أولاً " ، ومعناه "أمريكا للأمريكيين" يدل على الكثير، داخليا و خارجيا. داخليا، هو يعنى أن أمريكا الحديثة التى أسسها "الجنس الأبيض" وخاصة من العرق "الأنجلوسكسوني"، هي لهذا الجنس بالذات قبل (الآخرين). وخارجياً ، يعنى هذا الشعار أن أمريكا التى ابتدرت سياسات ما تسمّى "العولمة" منذ تسعينات القرن المنصرم سوف تعود، أو تحاول أن تعود ، سيرتها الأولى ، بغير عولمة، أو قُل أنها ستكون بغير عولمة من هذا النوع الذى هيمن على العالم فى وقت ما من أواخر ألفية تمضى ومطالع ألفية جديدة تُهلّ، "عولمة جامحة" أو "هائجة" Hyper Globalization. إن شعار (أمريكا أولا) يشى – لدى أنصاره المتعصبين – بأن القوى الدولية التى تسربت من بين أنامل التاريخ "المنزلق" وخاصة الصين ، لن تقوى على الإطاحة بأمريكا، بل ربما يكون شأنها شأن "الاتحاد السوفيتى السابق" حين تهوى من حالق ، لينهض "طائر الفينيق الإغريقى العتيد"- أى أمريكا – من جديد ..! وإن لم يكن هذا الطائر قوة عظمى وحيدة فسيكون بالنسبة إليهم الأعظم بين العظماء، أو "الأول بين المتساوين" Primus inter pares ، كما كانت بريطانيا فى عهد "توازن القوى" الكلاسيكي خلال القرن التاسع عشر .
هكذا أرادت وتريد أمريكا البيضاء، التي تحدث بلسانها الطليق (ابنها البارّ) دونالد ، ومعه ومن ورائه جمهور "انتخابي" غفير، لا يقل في عديده عن نصف المقترعين ، و ربما يزيد ..!
هذه أمريكا التى غيّرت الهجرة لونها ، من بيضاء إلى "متعددة الألوان" ، سوداء و سمراء و صفراء وبيْن بين ، ستعود من وجهة نظرهم إلى ما كانت عليه : بيضاء فقط ، أو بالأحرى "بيضاء أولاً" .
وأما أمريكا السمراء من "أمة الهنود الحمر" ونظيراتها فقد ذهبت فى رأيهم إلى وادى الماضى السحيق منذ خمسة قرون، و أبيدت ولن تعود ..!
وأما "أمريكا السوداء" المجلوبة من أعماق "القارة الخضراء"، إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى – ذات الأمطار و "غابات السفانّا" – فهذه قُمعت بدورها، ورضيت بقسمتها ، وصارت "أقلية زنجية" أو "إفريقية" ، فما كانت سائدة ولن تكون ..!!
وأما أمريكا "نصف البيضاء" ، اللاتين من جنوب القارة الفتيّة والتى نازعت "البيضاء " شيئاً من الغلبة الداخلية خلال نصف القرن الأخير، و خشيَ منها مفكرو البيض أن تغير وجه أمريكا إلى غير رجعة ، فهذه أيضا لن تسود .. وكذلك "أمريكا الصفراء" القادمة على استحياء من أقاصى آسيا الشرقية .. وكذلك "الشرق أوسطية" من مسلمى ومسحييى الشرق، فهذه أيضا قلّ أن تسود ..!
هذه أمريكا التي تتغير إذن، وأراد "دونالد ترامب" وأنصاره الكثيرون ، ألا تتغيّر .. هى أمريكا التى تحدث عنها ، وبلسانها ، مفكرون ثلاثة خلال نصف القرن الأخير بدء من "آلفين توفلر" عن أثر "القوة العلمية – التكنولوجية الصاعدة" ، في كتابه (صدمة المستقبل) الصادر فى مطلع السبعينات حتى "تحول السلطة" فى مطلع التسعينات، ثم "صمويل هنتنجتون" (1927-2008) ، فى كتابه الشهير "صدام الحضارات" الصادر عام 1996. وقد صدر هذا الكتاب بعد مقالته المنشورة فى مجلة (فورين أفيرز) بنفس العنوان عام 1993 حين استرق السمع لينصت إلى صوت المستقبل "الملون" حيث الحضارات العالمية المتنوعة ترقى إلى العنان وتحتك أو تصطكّ ، أو تصطدم بعنف أو غير عنف ، من الشرق البعيد والغرب القريب، والعالم الإسلامى فى الوسط أو المنتصف . وأخيراً ، "فرانسيس فوكوياما" ، اليابانى الأمريكى (1952-....) ، أو الأمريكى من أصل يابانىّ ، مدشّن فكرة العولمة الليبرالية ، بكتابه "نهاية التاريخ" الصادر فى عام 1992 بعد مقالة بنفس العنوان فى مجلة (ناشيونال أنترست) عام 1989 .
تلك إذن أمريكا التى تعانى المخاض الكبير ، ويقف من بين "البيض" فيها من يقول إن الأوْلى هو محاولة الاستيعاب والإدماج والاندماج لتكون أمريكا أمة للجميع، ولو بصعوبة بالغة . وهذه تحدث بلسانها – منْ صعد – بصعوبة بالغة أيضا – إلى سدّة الرئاسة بأغلبية طفيفة ، من بين "الحزب الديمقراطى" ، جو بايدن . ولكن إلى أين ...؟ والتاريخ الماكر، من حولنا وخلفنا أو أمامنا، يهدّد ويتوعد بما لا يتوقعه أحد .. إلى أين ، وهذا هو الماضى البشرى الطويل، عبر آلف السنين ، يقدم أكثر من لوحة صارخة بالمفاجأة. فهل الهجرة ترياق "شافٍ" ، أم هو السّم الزعاف ؟ أم يصعب الحكم ويترك للتاريخ ..؟ مما يترك للتاريخ هجرة قبائل "التيوتون" فى القارة الأوروبية التى قضت على امبراطورية روما، وأسست للعصور الوسطى الأوروبية كما عرفناها ... وربما يترك للتاريخ كثير من هجرات آسيا الشرقية، من وإلى الصين الحالية واليابان الحالية ، وما حولهما عديد . وتترك أيضا ، المآسى التى خلفها المغول أو التتار قادمين من أقصى الشرق إلى العالم الإسلامى أواخر العصور الوسطى وسرعان ما اندمجوا أو أُدْمجوا فى حضارة هذا العالم حتى صاروا نسيجاً من النسيج . كذلك كان الحال فى هجرات كثيفة وغير كثيفة من بلدن آسيا الوسطى إلى المشرق العربى ومصر، وبعضهم ممّن أسماهم معاصروهم (المماليك) الذين تركوا بصمات لا تنمحى فى التكوين الاجتماعى للمنطقة العربية (من الشركس والشيشان وداغستان وتركستان وتتارستان والكازاك وغيرهم) الذين يعيشون بيننا، أو نعيش نحن بينهم فى كل مكان من الوطن العربى الكبير . أما زحف "الفرنجة" على الشرق العربى وساحله المتوسطى فى الشام عموماً وفلسطين خصوصاً، فيما سُمّي "بالحرب الصليبية" خلال القرنين الأولين من الألفية الثانية ، فهذا سمّ زعاف خالص .
ولكن، من طرف آخر، فإن الهجرات العربية المصاحبة للفتوح الإسلامية فى الشام ومصر والمغرب والسودان ثم المصاحبة لحركات السلم والقتال فى الإطار العام للتاريخ العربى – الإسلامى ، مثل هجرة "القبائل الهلالية" أثناء العصر الفاطمى من البحرين وما حولها إلى بلدان المغرب العربى الحالية، لها شأن آخر . فقد أدت كلها، بقضّها وقضيضها، إلى التكوين البشرى المنسجم ثقافياً وحضارياً ، "الأمة العربية" هذه الأمة مكونة بشرياً من أصول متباينة فى جذورها البعيدة، ابتداء من الأصل العربي إلى الأصل "الأمازيغى" مثلاً ، أو غيره، ولكنها قد أسلمها لنا تاريخنا جماعة بشرية قومية ترقى مراقى الأمة مكتملة التكوين ، أو فى سبيل اكتمال التكوين الختامى لدى بعض المفكرين . وفى جميع الأحوال، هى العرب ، الذين يعيشون على رقعة جغرافية – اقتصادية ، ممتدة متلاحمة ، ومعهم غير عرب هم الكُرد فى أكثر من بقعة من بقاع الوطن الذى يظل "الوطن العربى" على كل حال . فهذا ترياق من هجرة البشر ، أدى إلى أمة أو اكتمال أمة .
من جانب ثانٍ، نلحظ هجرة الأوروبيين إلى القارة الأمريكية خلال ثلاثمائة سنة بعد 1500 تقريبا وتأسيس الدول الحالية فى "العالم الجديد"، و كانت بالنسبة لأوروبا الرأسمالية ترياقا شافيا، إذ خفّفت من الضغط السكاني هنالك و سمحت بالتطور الاقتصادي الرأسمالي الأوربي المشهود؛ بيْد أنها تحولت، في (العالم الجديد) إلى سمّ زعاف عند غير الأوروبيين والبيض، كما أشرنا.

ثم أن لدينا نحن في الخبرة العربية المعاصرة سمّ زعاف وما يشبه السمّ الزعاف. فأما السمّ الزعاف فهو الهجرة اليهودية الصهيونية إلى أرض فلسطين ، وأخذها مأخذ العنوة والغصْب ، وإخراج أهليها من أرضهم تلك عام 1948 ، وإحلال المستوطنين القادمين من كل حدب وصوب محلهم بدعوى العودة الوهمية إلى "جبل صهيون" المزعوم وفق الإيديولوجيا السياسية الاستعمارية المعروفة . وأما الترياق أو شبه الترياق الذى تحول إلى سمّ أو شبه سمّ زعاف، فهو هجرة بعض القادمين من شرق آسيا إلى بلدان خليجنا العربى ، ليتحولوا إلى كتلة ديموجرافية غالبة ، تهدد التكوين البشرى الخليجى – العربى فى الصميم ، فى بعض الأجزاء ليس غير، على أىّ حال .
وأما المهاجرون من بلداننا العربية ، ومن غيرها ، إلى أوروبا وأمريكا خلال المائة عام الماضية ، فهذه هجرة من أجل العمل ، فى غُربة مدفوعة أو غير مدفوعة الثمن ، إلى أجل معلوم أو غير معلوم ... و هناك هجرات مؤقتة للعمل المتقطع من بلدان عربية إلى بلدان عربية أخرى ، كما فى الخليج الآن ، وليبيا والعراق سابقا، و هذه ذات أثر متشابك يحسن تركه للباحثين .
ولكن ما يسمى بالهجرة الشرعية أو ما تسمى غير الشرعية من بلداننا العربية والإفريقية إلى أوروبا المتوسطية فى أشكالها المتنوعة مما يُطلق عليه الهجرة المختلطة mixed migration فهى أيضا محل درس وبحث أكاديمى عميق . وتُذكَر هنا، للمناسبة، هجرة الفارّين من جحيم القتال والعنف فى سوريا، ومن العراق فى وقت سابق، إلى أوروبا ، ولجوء بعضهم فى المنافى الأوروبية وغيرها. ولكن لجوء الأشقاء السوريين إلى البلدان العربية المجاورة، هو من قبيل النزوح الاضطراري المؤقت، وستتلوه عودة حميدة فى القريب. ولكن قضية اللاجئين الفلسطنيين وتعدادهم بالملايين، كجزء من القضية الفلسطينية الكبرى ، ومنذ قيام إسرائيل عام 1948 حتى الآن ، تظل علامة على الظلم التاريخي المشين، وجناية ارتكتبها موجات (الهجرة) الصهيونية الاستيطانية العُنفية إلى أرضنا. وإن لهؤلاء اللاجئين الفلسطنيين حقاً مكفولاً للعودة إلى ديارهم، فى يوم لن يكون بعيداً بميزان التاريخ على كل حال ..!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تظاهرات في بابل للمطالبة بإلغاء الحظر وإقالة المحافظ


.. البابا في زيارة تاريخية إلى العراق رغم الوباء والاضطراب الأم


.. كيف علقت الصحافة الإيطالية على زيارة البابا فرنسيس إلى العرا




.. العراق: استقبال رسمي للبابا فرنسيس في القصر الجمهوري بحضور س


.. ليبيا: دبيبة يسلم الأسماء المقترحة لحكومة الوحدة الوطنية إلى