الحوار المتمدن - موبايل


السواد في ديوان -قراءة في نقش صحراوي- مهدي نصير

رائد الحواري

2021 / 6 / 10
الادب والفن


السواد في ديوان
"قراءة في نقش صحراوي"
مهدي نصير
دائما النص الجميل يستوقنا لما فيه من عناصر جمالية، وبما يحمله من أفكار تتمرد على الواقع، كما أن الشكل الذي يقدم فيه له دور في جذب المتلقي، اللافت في ديوان "قراءة في نقش صحراوي" حجم الاسواد الذي يحمله، كما أن القاموس اللغوي يكاد أن يكون واحدا في غالبية القصائد، وهذا ما وحد لغة القصائد وجعلها تتمحور حول موضوع السواد/الألم، فالشاعر يستخدم الألفاظ: " أسود، الليل، القاتم، الموت، القبر، الصحراء، جثث" في العديد من القصائد، وكذلك يذكر الحيوانات والحشرات والتي غالبا ما يأتي ذكرها كتعبير عن حالة الاحتقان التي يعانيها الكاتب/الشاعر، ونلاحظ تيكيزو على حالة المثني، فهناك العديد من القصائد تحدثت على المثنى:" العينين" من هنا يمكننا القول أننا أمام ديوان مؤلم في من الوجع الكثير وحتى ما لا يحتمل.
قبل الدخول إلى الديوان ننوه إلى أن هناك العديد من القصائد جاءت على شكل الومضة، وهذا يحتاج إلى قدرات استثنائية، تتمثل في قدرة الشاعر على الاختزال والتكقيف واستخدام لغة تناسب الفكرة/المضوع وأيضا تلائم الشكل الذي تقدم فيه، سنحاول أضاءة شيء مما جاء في الديوان، يقول في قصيدة "صور":
"(1)
سجادة
جالس قرب طاولة من حديد
ومنفضتين
ورأس غزال يطل علي بعينين غامضتين
+++
أربعة من أيائل تطفو على بطن سادة
تتأرحج فوق الجدار!
+++
سرب وعول يجر قوافل متخمة بالضجر!
+++
قمر أسود بارد في سماء من الفضة السائبة!
+++
سراديب ضيقة تلهث الآن فيها الوعول وتسقط!
+++
تترجل أربعة من أيائلها
مخلفة فوق سجادة تتأرحج فوق الجدار
ثقوبا بلون الهواء!" ص14و15، ما جاء في هذه المقاطع من ألفاظ "ألوان/أسود، حيوانات/وعول/أيائل، فسوة/جدار/تسقط/ضجر، ومثنى/منفضتين/بعينين" تكاد أن تكون في كافية القصائد، وإذا ما توقفنا عن الشكل الذي قدمت فيه نجده قصير (ومقطع)، وهذا التقطيع يعكس حالة الشاعر وما يمر به من ألم/اغتراب/ضغط، لهذا بدا شكل القصيدة مقطع ومنفصل، لكن هناك جامع يوحدها، لألفاظ "غزال، أيائل، وعول"، وكذلك ألفاظ القسوة: "حديد، غامضتين، الجدار(مكررة)، يجر، بالضجر، السائبة، سراديب، ضيقة، تلهث، تسقط،، ثقوب" وهذا ما يجعل فكرة الألم/القسوة تصل للمتقي من خلال الألفاظ المجردة، ومن خلال الشكل الذي (قطع/مزق) القصيدة، وبهذا يكون الشاعر قد استخدم التقطيع/الفصل كشكل يعبر فيه عن ألمه/اغترابه، وإذا ما مضمون/فكرة السواد التي تحملها القصيدة، نكون قصيدة مبنية وموحدة شكلا ومضمونا في خدمة السواد/الألم.
ونلاحظ أن الشاعر مسكون بمشاهد الألم والحرب، لهذا نجده يقدم أكثر من قصيدة تتحدث عن "غزة"، منها هذه القصيدة:
"(1)
جثتان وراع
وبضع سنابل من زرد ورصاص
تزنر حقلا
على بابه الصدء انتصب جثتان لطفل كسيح
وبعض سماء!
(2)
جثث ورعاة
وكلب تضخم
يعوي ويلتهم الشهداء!ّ" ص17، نجد السواد/القسوة في الفاظ: "جثتان (مكررة)، زرد، رصاص، الصدء، انتصب، كسيح، جثث، كلب، يعوي" واللافت أن المقطع الأول جاء بصيغة المثنى/"جثتان"، والثاني بصيغة الجمع/"جثث/رعاة"، والأول طويل نسبيل والثاني قصير وأكثر كثافة، والأول خالي من ذكر الحيوان/الكلب والثاني فيه "كلب تضخم يعوي" والأول رجاء بصيغة الماضي: "تزنر، انتصبت" والثاني مضارع/يحدث الآن: "تضخم، يلتهم" وهذا يأخذنا إلى مقارنة حجم السواد بينهما، ففي المقطع الأول كانت هناك الطبيعة: "سنابل، حقلا" وهذ ما اعطاء مساحة للشاعر ليتحدث (باسهاب)، بينما الثاني والذي استوحش فيه الكلب وعوا، كان قاسيا على الشاعر، لهذا قدمه بصورة مختزلة ومكثفة، فبدا وكأن المشهد أرهق الشاعر، فلم يقدر/يستطع الإسهاب في الحديث، فقدمه بصورة (سريعة) وخاطفة.
من هنا يمكننا القول أن الفكرة تصل إلى القارئ بأكثر من شكل وطريقة، وهذا ما يحسب للديوان وللشاعر. ونلاحظ أن الشاعر يحرص على مشاعر القارئ، فعمل على تخفيف مشاهد القسوة قدر الإمكان من خلال تقديم الصورة شعرية: "وبضع سنابل من زرد ورصاص/تزنر حقلا" وهذا ما يجعل صورة الألم ترسخ أكثر في المتلقي، الذي تستوقفه مثل هذه الصور.
أللغة/الكتابة أهم أداة عند الشاعر، لأنها هي من تجعله شاعرا، وعندما يتم تناولها بصورة سوداء فهذا يشير إلى حجم الألم الذي يعانيه، في قصيدة "عزلة" يحدثنا عن اللغة:الكتابة قائلا:
"(6)
واقفا في المعاجم
أبحث عن لغة
أتزيا بها
قبل أن تطردني من الصفحات
(7)
معجم أصفر
تتساقط أوراقه
أتخبأ فيه
وأنسج للعنكبوت خيوط" ص48و49، هناك مجموعة ألفاظ متعلقة بالكتابة: "المعاجم، لغة، الصفحات، معجم، أوراقه" وهذا يخدم فكرة "اللغة/الكتابة" وإذا ما توقفنا عند المقطين نجد أن السادس يتحدث عن حالة الثبات/واقفا، والسابع يتحدث عن الحركة/تتساقط/أتخبأ/أنسج" ونلاحظ أن حجم السواد في السابع يفوق ما جاء في السادس، فقد قدم الطبيعة ـ والتي من المفترض أن تكون مهدئة/مخففة ـ بصورة خريفية/تتساقط أوراقه، كما أن حضور العنكبوت زاد من قاتمة المقطع.
ولم يكتفي الشاعر بتقديم فكرة سوداء وبألفاظ قاسية، فيدخل إلى (العتمة ويقوم) بدور الخراب/"وأنسج للعنكبوت خيوط" وهذا التغريب للفعل ـ رغم ما يحمله ما فيه من سواد ـ إلا أن الصورة الشعرية المقلوبة/المعكوسة تخفف على القارئ شيئا من ذلك السواد.
المرأة
المرأة أحد عناصر الفرح/التخفيف التي يلجأ إليها وقت الشدة، الشاعر يقدمها بأكثر من صورة، منها ما جاء في قصيدة "غزالة":
"(3) يليق بك النرجس الشاف
عن مائه في الحديقة
ساعة صيف
يليق بل الماء
والقمر المتعري من الصور السابقة
يليق بك العود إذ يتماوج في رقصه
بسنابله الناضجة" ص122و113، نلاحظ أن المرأة التي حتى لم يسمها/(الغائبة) أحدثت الفرق في الديوان فهي أوجدت بقية عناصر الفرح/التخفيف، فكانت الطبيعة حاضرة من خلال: "النرجس، الشاف، مائه/الماء، الحديقة، صيف، القمر، يتمتوج، بسنابله، الناضجة" وكانت الكتابة/الفن حاضرا من خلال: "العود، رقصه" وهذا ما يشير إلى قوة حضورة المرأة وأثرها الإيجابي، فقد استطاعت أن تنقل الشاعر من منطقة القتامة إلى الضياء والألوان.
الومضة
قلنا أن العديد من القصائد جاءت على شكل ومضات مقطعة/منفصلة، وهذا يتيح للقارئ يأخذها كلا على حدا، من النماذج على هذا الشكل ما جاء في قصيدة "التاريخ":
"(1) مركب ثقيل تعبأ بالجثث العارية.
(2)
قنديل زيت
كلما هبت رياح
أطفأته" ص50، وهذا ما يسهل على القارئ تناول القصيدة، فالشاعر لا يقدم المادة القاتمة دفعة واحدة، بل من خلال مقاطع منفصلة/مقطعة حتى لا يثقل على المتلقي، فالشكل وحجم المقطع يسهما في تخفيف القسوة، وهذا يحسب للشاعر وللديوان.
التناص القرأني
اللافت في الديوان أن الشاعر يستخدم التناص مع القرآن الكريم بشكل جديد غير مألوف، جاء في قصيدة "صور":
"حصانان
حصانان يحترقان
ومركبة تتكسر
وبضع براميل من أنجم
تتكدس فوق صفيح به وردة كالدهان!" ص15، نحلاظ التناص مع سورة الرحمن من خلال صيغة المثنى: "حصانان، يحترقان" ومن خلال أستخدام عين ما جاء في الآية " فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ " فهناك تقارب في المعني بين "تتكسر/انشقت، كما أن فكرة الأية والقصيدة متقربة، اللتان تتحدثان عن الجحيم ما فيه من أهول.
وهناك تناص مع قصة سيدنا إبراهيم جاء في قصيدة "الهامشي":
"(10)
شيخ جليل بلحيته الكثة
طرق الباب
قمت وأسندت طاولة من غبار تداعت
بعكازتين فتحت من الباب كوته ووجلت
ـ إني أبشرك
ـ ولكنها أمرتي عاقر
في أناة تحدث
أشعل نارا بموقدي البارد الأسود المتخم بالغبار
1. نهضت وأولمت عجلا حنيذ!" ص39، نلاحظ أن هناك أكثر من تغريب في القصة، جعل الطارق الشيخ واليس الملكان، واستبدال سيدنا إبراهيم بأنا المتكلم/الشاعر وإعداد العجل الحنيذ، وإذا أخذنا ما جاء في سورة "هود" "69 وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
70فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ
71وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ
72قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ" " نلاحظ أن مقطع القصيدة يغلب عليه فكرة القسوة والألم، والذي نجده في: "غبار/بالغبار، بعكازتين، ووجلت، عاقر، نارا، الأسود" وهذا التناص يتناقض مع فكرة القصة القرأنية التي جاءت بالبشرى والتخلص من الأشرار.
وهناك تناص مع قصة مريم، جاء في قصيدة العنوان ""قراءة في نقش صحرواي":
"..
أتاها المخاض إلى حجر أسود
وكواكب نائمة تتثائب ليلا
كعرجون خان عتيق
سعفات النخيل تقصف يابسة
وتمشط ركنا قصيا" ص43، وهذا يأخذنا إلى ما جاء في سورة مريم: " فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)" فالمقطع يلتقي مع السورة في "النخلة/نخيل، المخاض" والتغريب في الأضافات التي احدثها الشاعر "حجر أسود، كواكب نائمة، كعرجونخان عتيق، سعفات يابسة، وتمشط ركنا" وهذا يخدم فكرة السواد والقسوة التي تسيطر على غالبية قصائد الديوان، من هنا يمكنا القول أن السواد هو السائد في الديوان، وأن هناك نهج ولغة وألفاظ وشكل تخدم الفكرة/المضمون الذي أراد تقديمه، وقد استخدم الشاعر التقطيع/تجزئة القصيدة إلى ومضات ليخفف بها من حدة السواد والقتامة، كما أنه لجأ إلى الصورة الشعرية وتغريب، ليبد القارئ عن المباشرة ويحجب شيئا من الألم الكامن في الديوان.
الديوان من منشورات أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2011.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية الا اذا تغيّر شي: واذا اهلك ساكنين بالمربّع الذهبي، أ


.. محفوظ الماهر من الهواية في الغناء إلى الاحتراف بفضل {تيك توك


.. فرق {الأوبرا} في باريس تتحدى كورونا؟ |#فكر_وفن




.. ماشا ميريل الممثلة الفرنسية تصل لمطار أسوان للمشاركة في مهرج


.. الفنان المغربي الشاب يونس الميلودي لم يجمع هذه -الثروة الصوت