الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدخول في الشرنقة

فوز حمزة

2022 / 5 / 12
الادب والفن


في الجامعة .. رأيته لأول مرة .. من حينها ونظراته تلاحقني .. لم أكن سعيدة بتلك النظرات .. ولم اعترض .. ربما لأنها كانت تشبع ذلك الغرور الكامن داخلي كفتاة جميلة دون أن أدري.
لم أحبّبه قط لكني لم أرفضه حين تقدم للزواج مني بعد أربعةُ أعوام .. فتحديه لأهله من أجلي بسبب اختلاف طائفتنا كانت كافية لإسكاتي وإقناعي بأنني سأعيش في ظل رجل يعرف كيف يحميني.
كل شيء سار بهدوء .. لم يكسره إلا صراخ طفلتنا حين ولدتها في يوم كانت السماء مليئةٌ بسحب سوداء .. فرحته بالبنت لم تتغلب على شرقيته .. فبقي يحلم بالصبي الذي يحمل اسمه .. حتى تحقق له ذلك بعد عام ونصف.
انتقالنا للعيش في بيت أهله في إحدى المحافظات .. كانت الانعطافة التي غيرت مسيرة حياتنا وجعلتها تتخذُ لونًا آخر ليس هو اللون الذي بدأت به.
صحونا ذات يوم ربيعي على خبر سقوط النظام.
أصبح إنسانًا آخر .. يتحاشى التحدث معي أو الجلوس بجانبي .. بل بلغ الأمر به إلى الامتناع عن تناول الطعام معي.
شيئًا فشيئًا لم أعد أشعر بأنني متزوجة إلا حين أدخل غرفتي لأجده ممدًا على السرير ينتظر سد جوعه من جسدي .. ثم يغط في نوم عميق دون أن يتفوه بكلمة.
فقداني لخصوصيتي هو الشيء الذي ظل يثير سخطي .. خارج الغرفة لم أكن زوجة .. بل خادمة لكل من في المنزل .. لا أجرؤ على فعل أو قولِ شيء إلا بعد موافقة الجميع .. المرة الوحيدة التي تجرأت فيها واعترضت كانت نهايتها صفعة على خدي وإنذارًا بالطلاق.
كبرت المسافةَ بيني وبينه .. أخذ يتغيب طويلاً عن البيت .. وعن المدينة كلها .. حين يعود يبدو عليه القلق والخوف .. عيناه مترقبتان .. أحيانًا كثيرة يقطع حديثه عندما يلمحني قادمةٌ نحوه .. بدأت أشعر بتحاشيه لي .. هناك أمر جلل شغله عن كل شيء.
وقع الطلاق بعد ست سنوات .. أطفالي كانوا الصفقة التي ربحتها مقابل تنازلي عن كل شيء .. فتنفست بعمق لأنني ظننت أن القدر قد اكتفى مني.
لم أكن أريد لأطفالي أن يكبروا بعيدًا عن والدهم .. فسمحت له برؤيتهم بين فترة وأخرى .. فليس من العدل أن يخطئ الكبار ليدفع الصغار الثمن .. هكذا كنت أقنع نفسي وليتها اعترضت ولم تقتنع.
صراخي حين عرفت أنه قد هرب بالأطفال لم يسمعه أحد .. لأن صوت انفجار قريب غطى كل شيء.
الدخان الأسود ملأ سماء المدينة .. المستقبل غاب في ظلمة الحاضر .. تغيرت معاني الكلمات .. عيوننا كانت بخوف تترقب.
بعد أشهر .. لم يعد أحد يسألني عنهما .. فالأحداث الكبيرة مثل حيتان البحر .. تلتهم السمك الصغير .. وحدي بقيت أتتبع أخبار أطفالي من بعيد .. بعد أن هدم طليقي كل جسر قد يصل بيني وبينهم.
تزوجت ثانية .. لا بد للحياة أن تستمر .. واستمرت حين أنجبت بنتًا وصبيًا .. لكن حنيني لأطفالي أبدًا لم يهدأ.
حين وصلني خبر إنضمام طليقي لإحدى التنظيمات الإرهابية لم أتفاجأ .. لأني وجدت أخيرًا تفسيرًا لكل أفعاله الغريبة .. الذي أفزعني وجعل ساعات الليل طويلة سوداء وساعات النهار قلقًا قاتلًا حين عرفت أنه زجّ بأطفالنا في درب نهايته الموت أو الانحراف عن الحياة.
الموت البطئ .. لا أحد يصف هذا المعنى إلا من عاشه .. لم أعد أشعر بالألم لأني غرقت فيه .. صور مرعبة احتلت كوابيسي وأنا أتخيل ابنتي ذات الخمسةَ عشر ربيعًا تتلاقفها أيادي المجرمين تعبث بها باسم الدين .. وابني أصبح رأسه الفارغ وعاءً لأفكار مسمومة من أبٍ كره الحياة قبل أن يفهمها.
ثلاث سنوات مرت .. أحيانًا كنت أتمنى سماع خبر موتهما ليصبح لسياط الألم التي أتلقاها جلاد واحد .. حتى هذهِ الأمنية ضَنَّ بها القدر عليّ .. أمسيت أفزع لكل رنة هاتف أو لطرقة باب لا أعرف صاحبها .. الشك كاد يقتلني حين أرى اثنين يتهامسان فأظن أنهما يخفيان شيئًا عني.
لا أدري كيف أصف مشاعري حين وصلني ذات يومٍ قائض خبر مقتل طليقي .. فالمدينة التي يتحصن بها هو والجماعات التي ينتمي إليها قد تحررت .. أرى الفرحةَ في عيون الجميع إلا عيوني .. غرقت بدمعها .. بموته انقطع الخيط الذي كنت أتمسك به ليصلني بأطفالي.
شعوري باليأس جعل الوقت يمر سريعًا .. فلم يعد هناك ما انتظره .. أسماء الأيام لاتهمني .. أضحى النهار يشبه الليل .. لم يكن لدي من رفيق سوى سيجارتي وصمتي.
كأني ولدت من جديد .. فصرختي كانت صرخةُ ألم من أجل الحياة .. اتصال جاءني من مجهول يطلب مني الحضور إلى المدينة المحررة لاستلم ابنتي.
الليل الموحش والخطر الذي قد اتعرض له وأنا أقطع شوارع مظلمة .. كل ذلك لم يمنعني من السفر إليها.
حين نودي باسمها في المخيم .. نهضت من بين عشرات الفتيات .. السواد يلف جسدها .. لا يظهر منها إلا وجه خال من أيُ تعبير وبين يديها طفل رضيع.
أما ابني .. فقد هرب مع من هرب من الجماعات .. وهو يهدد بالانتقام لأبيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المخرج أحمد نور عملنا على فيلم لحظة تحول بين الألم والأمل بر


.. مفيد فوزي كان البوصلة بالنسبة لينا.. الشاعر جمال بخيت والكات




.. النائب محمود بدر بعض حالات فيلم لحظة تحول بين الألم والأمل ت


.. كلمة أخيرة - مفيد فوزي كان نفسه يشوف حفيده شريف على المسرح..




.. كارلا حداد تسأل في #المسرح: هل خبر محاولة تسميم الشحرورة صبا