الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أكوتاغاوا والتجربة الجمالية للانتحار: أو ڥانسون همبار ولعبة إرادتي الوجود والعدم.. قراءة حفرية لسردية الموت الانتحاري

رضا الصالحي

2022 / 6 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هل انتحر أكوتاغاوا -ذاك الروائي الياباني الفذ باختلافه- من أجل ان نحبه، وحينها يكون الانتحار سبيلا لأن نحب الانسان والعالم والاشياء، ام لأنه كره الحياة التي لا يريد ؟!
ثمة فهم سطحي للانتحار من جهة ربط القارئ او المشاهد الانتحار اما بالجمال والذائقة إذ يقبحه وإما بالأخلاق إذ يستقبحه وإما بالكراهية والانتقام فلا يفكر حينئذ بالحب !
لنا ان نتخيل هنا ألبير كامي وهو يشاهد لحظات انتحار أكوتاغاوا أو هو يقرأ نصه الذي تركه لصديقه قبل أن ينتحر !ولقارئ مهترئ التأويل قرن ذلك بالعبثية أو العبث لسبب بسيط هو انه سمع ذات مرة أحدهم قال: "ألبير كامي فيلسوف العبثية" حين لم يطرح على إثر ذلك سؤالا نائما هو "هل أن ألبير كامي فيلسوف عابث؟"
هؤلاء لا يفرقون بين فلسفة العبثية وبين الفلسفة العابثة !!
الأولى ننظر إليها من جهة تنظيرها للأشياء والأفكار والمذاهب أما الثانية فنفهمها على كونها فعل حيث تتورط الفلسفة في العبث بالحقيقة وبمآلات محبيها مللا ونحلا !
ولنتخيل أيضا قراءة إپيكير Epicure مفسرا لنا حدث الانتحار من جهة ربطه بمطلب السعادة والأپونيا Aponie .. ولنتخيل سارتر رابطا إياه بالحرية المسؤولة ، أي بالمسؤولية من جهة كونها الشرط الإيتيقي للحرية !

يقول ألبير كامي: "هل لاحظت ان الموت وحده هو الذي يوقظ مشاعرنا ؟ وكيف أننا نحب الاصدقاء الذين غادرونا بتوهم ؟ أو نعجب بأولئك الأساتذة الذين لم يعودوا يتكلمون ؟...."
مفارقة عجيبة إذن تلزم إنياتنا العاطفية حيث أننا لا تتحرك هرمونات الحب التي فينا إلا حين يحضر الموت ! وهو في الحقيقة تعلق بالوجود الداخلي لكل كائن لحظة يحضر العدم ! وهو الهلع النفسي من امكان الوداع الأخير لا للموتى فحسب بل لنفسه من خلال ما يرى أو يقرأ !

للموت ذاكرته وميلاده الفجئي فينا. وحين يكون الموت واقعا يحين وجود الحب !

ايقاظ للمشاعر هو الموت .. وأكوتاغاوا من الفلاسفة القلائل الذي انتبهوا إلى أنه يمكن أن نرجأ الحب الحقيقي إلى ما بعد الموت ف"نكون محبوبين من الخارج" كما قال جان لوك ماريون في كتابه "ظاهرة الحب" ! ... محبوبين بكل ما يوقظه الموت فيهم من مشاعر الحب !
وإننا لنفهم فكرة أكوتاغاوا من داخل التفكير الوجودي الكاموي حيث فقد أكوتاغاوا كل الحب وجمالية الوجود وكل قوى "إرادة الاقتدار" فيه :

أن ننتحر هو أن نطلب الحب من الخارج ! أي من اللغة بلغة أخرى !

أليس الانتحار إذن فقد كلي للغة والكلام ؟! هكذا يرمي بنا انتحار أكوتاغاوا في ثقب هذا السؤال .. وهكذا يجيبنا ألبير كامي : "أو نعجب بأولئك الاساتذة الذين لم يعودوا يتكلمون بعد أن ملأ افواههم التراب ؟"
يفقد الميت ، مهما كان نوع موته، الكلام ويفقد الوعي بأنه يمكن أن يكون محبوبا باللغة من الخارج فيهاب الموت خشية على كائنيته اللغوية ! أما المنتحرون الأكوغاتاويون فلقد حدسوا كونهم سيحبون، بكل ما تحمله اللغة من معاجم الحب والهشاشة العاطفية، من خارج !
لذلك انتحر أكوتاغاوا ولم يمت ... وإن الموتى الحقيقيون لهم الذين يربطون الموت بالقيم والقوانين وب"المراقبة والمعاقبة"، وبالنتائج والدين والمؤسسات وكل المرجعيات السوسيو-أنثروپولوجية المتبلدة. هم كذلك لأنهم لم يفكروا بامكان مخزون الحب الذي يمكن أن يسعد به لحظة تجريب فكرة الانتحار ، وهو في قبره أيضا، حيث لم يسعد به في الحياة بحسب قراءة كاموية له !

أكوتاغاوا هو أول المنتحرين .. وآخر الموتى !

معاني القوانين والمراقبة والمعاقبة والمحاسبة بخصوص الانتحار استفزت ذاكرتي لأتذكر درسا درسته لتلامذتي الثالثة ثانوي علوما بمعهد حي الأنس بالروحية-سليانة وهو قراءة لنص يتعلق بمفهوم "الرغبة في الانتحار" من طرف شاب فرنسي اسمه ڥانسون همبار ! وفي تلك اللحظة نفسها دار برأسي معنى آخر للانتحار وهو "إرادة العدم-درء عدمية الحياة المشلولة" !
أن يكون العدم محط إرادة فهذا ممكن مع هذا الشاب الفرنسي الذي أعاقه وشله بطريقة وحشية حادث مرور وهو في عمر التاسعة عشر تقريبا ، أي في قمة إرادة الوجود !
وهي ذي المفارقة الكبرى التي دفعت بڥانسون همبار الى التفلسف العاطفي على هذا النحو الجذري من الأخذ بنقيض ما هو سجينه...!
وإن المواقف القانونية والطبية حينها ربما أفسدت حلمه وقتلته قبل أن يموت موته الحر !
هنا سأفسح لي مجالا للحديث عن تجربة هذا الشاب لا فقط مع الألم ومع الشلل والغيبوبة شبه الكلية وشر هذه الشرور، بل أيضا مع الوجود الحولي أو العلائقي (وهنا تقلقه مشكلة وجودية بحتة) إذ هو ينتظر موقف رئيس الجمهورية بعد ان بعث له (وأمه) رسالة إليه يطلب فيها السماح له بمغادرة الحياة الميتة... وهو في الحقيقة يطااااالب بتشريع قانون يقبل باختيار الكائن حرية الانوجاد أو الانعدام !

لقد أفسد القانون هذا الضرب الوجودي من الموت الاختياري حين تمت ملاحقة القانون للطبيب فريدريك شوسوا (رئيس قسم الانعاش بمركز هليومران) مجرما إياه بعد أن سمح طبيا (اي وفق معيارية اتيقا الطب لا قانونه فقط) لڥانسون همبار بامكان مغادرة الحياة إذ تعرض هذا الطبيب الى التتبع العدلي حينها... وهو ما حدا به إلى كتابة كتاب اعتباري بعنوان "لست مجرما" كضرب من الغضب العاطفي على جفافية القانون الوضعي !
قال فريدريك شوسوا: "...هؤلاء الأشخاص المحبوسين داخل هياكلهم العظمية، كما كان المريض نفسيا ڥانسون همبار، هؤلاء الضائعين في غيبوبتهم..."
ثمة وعي طبي بسيكولوجية المرضى هكذا مرض. وهذه فلسفة طب لا يدركها الأطباء المرضى لا فقط بتقديس القوانين المؤسساتية بل المرضى بالعضوية أساسا ! ولك ان تفهم ذلك !
أما نائب البرلمان الفرنسي والجراح برنار ديبراي فلقد كان موقفه نيئا في الحقيقة اذ هو يصيبه الرعب والارتجاف ازاء هكذا طلب (طلب الانتحار-التحرر من الحياة الميتة) ! لقد قال: "إلا أنني أعارض كليا فكرة تبرئة القتل الرحيم" !
وربما لم يستوعب هذا النائب مفارقة "قتل-رحيم" ! وبالتالي تبرئته هو جريمة في حق الحياة وفي حق القانون وفي التضارب في الأقوال يقول القاضي ! لذلك فإن القوانين الوضعية غير قادرة بعد على فهم معنى الانتحار فهما وجوديا وعاطفيا وبسيكولوجيا ! وهذا هو الانتحار الأكبر ! وهي لا تعرف كم تسمية معقدة وغير واضحة لهذا الضرب من الموت اذ هو "موت رحيم سلبي" ، "موجب"، "مباشر"، "غير مباشر"، "إرادي"، "لا إرادي" على حد قول عالمة النفس والكاتبة ماري دو هنزال في كلامها عن قصة ڥانسون همبار ... ولكنها نظرت الى إرادة هذا الشاب لا من منظورية وجودية ولا من منظور استيتيكي ولا عاطفي.. بل من منظور أخلاقوي بسيكو-سوسيولوجي حيث قالت:

"إن المصادقة على قانون يسمح بممارسة الموت الرحيم يستطيع أن يفضي إلى الوحشية وبالأخص في مجتمعات ازدادت أنانيتها وماديتها" !!
(ذكر ذلك في مجلة مدام فيڨارو عدد 1060).
جبان هو هذا الموقف إزاء قراءة فلسفية عميقة لفلسفة الانتحار .. حيث لا تستطيع العلوم الاخرى، بما في ذلك البسيكولوجيات المحافظة، فهم هذه الطلب-الكوجيتو الوجودي:

"أنا انتحر ، أنا موجود" !

نعم، يمكن أن يوجد الإنسان وجودا حقيقيا حين ينتحر ! وهنا يكون المعنى بالنسبة إليه ! فقبيلة "الأشلپا" من شمال استراليا كانت قد أماتت نفسها بنفسها انتحاريا حين انكسر عمودهم المقدس (بوصلة ترحلهم ربما) ! وإن الحياة بالنسبة إليهم في ظل موت المقدس هو موت وإن الموت هو حياة جديرة باستحقاق حين يموتون بمحض إختياراتهم من أجل مقدسهم ...

وهنا يكون المعنى !

وإن الانتحار الحقيقي لهو الانتحار المسبوق بفكرة المعنى... مفقودا ومنشود...!

نعود إلى أكوتاغاوا.
إن الانتحار فكرة-مشروع ملتبس في نظره. وهو نتاج قلق غامض..
وإن الانتحار إذن في نظري غايته التحرر من التفكير في أسبابه.. فأن تنتحر من اجل هذه الغاية النبيلة وهي الحرية لأهون من تحمل اوجاع التساؤل لحظيا عن أسباب هذا المشروع المعقد !

إن الانتحار هو تحرير للذاكرة من كل شيء: القلق ، التساؤل، الصبر ... إنه اقتصاد للعواطف وللادراكات !

قال أكوتاغاوا: "وعلى الأرجح فالمنتحر نفسه كما وصفه هنري رينيه لا يدري غالبا لماذا ينتحر. الانتحار مثل كل افعالنا يضم دوافع معقدة".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كييف تعلن مقتل 19 شخصا في قصف روسي على مبان سكنية في منطقة أ


.. فرنسا وأستراليا يعيدان إحياء علاقاتهما بعد جمود بسبب أزمة ال


.. اللبنانيون ينتظرون الحكومة الجديدة بعد تكليف ميقاتي بتشكيلها




.. ليبيا.. وليامز تصف نتائج محادثات جنيف بـ-التوافق غير المسبوق


.. تغير المناخ.. جماعات بيئية عدة أمام القضاء الأميركي