الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


8- حكم الأقلية العسكر في مصر وثقافة الغباء الجمعي

ياسين المصري

2022 / 7 / 23
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


اليوم تحل الذكرى السبعون لأكبر مأساة مستديمة تعيشها مصر.
معظم الدول الموبوءة بالأسلمة المحمدية - إذ لم يكن جميعها - تحكمها أقليات Oligarchies، عرقية أو عائلية أو دينية أو عسكرية أو عصابة مدنية مدعَّمة بالسلاح … جميعها تحتكر لنفسها السلطة والنفوذ والثروة، وترتبط فيما بينها برباط الولاء والبراء وتبادل المصالح المشتركة، والالتزام بمبدأ البلطجة واللامبالاة، ولها أسوة حسنة في رسول الله، وسيرته وقرآنه وأحاديثه المفبركة، للانتقاء منها ما يخدم مصالحها ويعمل على ترسيخ استبدادها والسيطرة على شعوبها، مما يعمل على تعميم الغباء الجمعي والتخلف والانحطاط في مجتمعاتها. إلا أن أسوأ هذه الأقليات على الإطلاق هي ”الأقلية العسكرية“ لطبيعة بنيويتها الفريدة وثقافتها الخاصة التي لا تهيِّئُها إطلاقًا لأساليب الحكم والعمل السياسي. وقد ابْتُلِيَت مصر بحكم هذه الأقلية منذ 70 عامًا، باستثناء عام واحد (من يونيو 2012 حتى يونيو 2013)، حكمت خلاله أقلية دينية.
خلال هذه الفترة الطويلة ما فتأت البلاد تعاني تدريجيا من الضعف والوهن، وشعبها يرزح يوميًا تحت وطأة القهر والتدهور المادي والمعنوي بشكل واضح ومستمر ومطرد، وتحولت البلد على أيديهم من أهم بلد فى العالم. بحسب قول ”نابليون بونابرت“، إلى دولة فاشلة، أو ”شبه دولة“، بحسب قول الحاكم بأمره الحالي، لا قيمة لها في المنطقة وفي العالم!. هذا يجعلنا في البداية نتساءل:
• هل كان انقلابهم على الملكية الدستورية ضرورة حتمية؟،
لماذا لم يعودوا إلى ثكناتهم بعد نجاح انقلابهم، أو بعدما فشلوا في آداء عملهم؟،
هل لديهم الوعي الكافي بفشلهم حتى يمكنهم الاعتراف به ومن ثم يتراجعون عنه، ويعملون على إصلاح ما أفسدوه؟، والأهم من ذلك،
• هل عملوا حقيقة على بناء وطن يطيب العيش فيه؟،
***
في 26 يوليو 1952، تنمى الملك فاروق للانقلابيين بالنجاح في حكم مصر، وهو يغادر الإسكندرية - بهدوء تام - متجهاً إلى منفاه الأخير في إيطاليا، بعد سماعه البيان الصادر عنهم والذي تحدثوا فيه عن ”الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم“ خلال فترة توليه ما بين عامي 1952 -1936، فهل تحققت أمنية الملك وتكلل حكم العسكر بالنجاح؟ وهل قلَّت الرشوة وتقلص الفساد واستقر الحكم في البلاد، أم أنها في ازدياد مستمر واضطراب مستقر، وأضيفت إليها معطيات مأساوية جديدة؟
لا ينكر أحد إطلاقًا أن المصريين لم يعيشوا في جنة الله على الأرض في العهد الملكي، ولكن مع ذلك كانت أكثر تقدمًا من دولة كثيرة كاليابان مثلا، ومهيَّأة بالفعل لأن تكون دولة متحضرة وراقية في يوم ما. كانت بها نخب في كل فروع الحياة، لديها من العلم والمعرفة ما يمكنها - دون مبالغة - من اللحاق بمصاف الدول الأكثر تقدُّمًا في العالم. كانت - باختصار - دولة غنية ماديا ومعنويا، وهادئة ومنفتحة، ويحلوا العيش فيها لأبنائها وللأجانب من شتى الملل والأعراق والأجناس والألوان على حد سواء. وكانت مكتفية ذاتيا بإنتاج غذاء شعبها، بل وترسل فائضا كبيرًا منه إلى الدول الصحراوية الفقيرة آنذاك. صحيح أن الأوضاع السياسية لم تكن كما يرام، وكانت تتطلب قدرا من ضبط الصراع على السلطة وإدارة البلاد، كما كان المجتمع يعاني من العديد من التناقضات والكثير من المظالم الاجتماعية والاقتصادية، ولكنه كان مجتمعاً بعيداً إلى حد كبير عن الكراهية والعنف، ويسوده الإحساس بالأمن والأمان، على العكس تمامًا لما هو عليه الآن، لم تكن مشاكله تقتضي سوى العمل السياسي الممنهج لضبط العلاقة بين الفقراء والأغنياء في ضوء الاحترام القائم والمتبادل بينهما. وصحيح أيضًا أن قدرًا من الفساد كان هناك، كما هو الحال في جميع الدول، ولكنه كان ضئيلًا، بالقياس لما حل منه على أيدي العسكر. ورغم وجود الفساد بدرجات متفاوته وأنماط مختلفة، في جميع دول العالم، استغلاله غالبًا من قبل السياسيين والمتمردين والثوار والمغامرين وقطاع الطرق كذريعة أساسية، لإحداث تغيرات سياسية أو اجتماعية من نوع خاص، إلَّا أنه - مَهْما كان شكله أو قدْره - لم يكن قط مبررا في يوم من الأيام لقلْب أوضاع دولة ما رأسًا على عقب، وإدخالها بكاملها في نفق مظلم لا تعرف متى وكيف يمكنها الخروج منه، ولم يكن أبدًا سببًا لتمكين ثلة من الجهلة الأنانيين المغرورين للاستيلاء على الحكم، ومدعاة لإحداث فوضى عارمة ومدمِّرة لكافة مجالات الحياة كما حدث في مصر، فهل من المعقول أن يجري استبدال الفساد مهما كانت فداحته بآخر أشد فداحة منه؟، وهل من المنطقي أن تتحول دولة هكذا من دولة جاذبة إلى دولة طاردها لأبنائها ولغيرهم؟، وهل من الطبيعي ان تزداد الرشوة والمحسوبية، ويستمر عدم استقرار الحكم حتى وإن كان في الخفاء، وهل من الحكمة أن يستبدَل الإقطاعيون المدنيون الذين مصّوا دماء الفلاحين، بإقطاعيين عسكر يمصّون دماء دولة بأصولها وفصولها، ومع ذلك يتأقلم الشعب مع كل هذا وغيره، ويستمرئ العيش في أسوأ حياة على مدى تاريخه الطويل؟
سقطت الدولة بكاملها في ذاك العام (1952) لقمة صائغة أو فريسة ضائعة بين أنياب عصابة من الضباع الفاشلة المتدنية الذكاء والقليلة الكفاءة، ولديها إحساس عميق بجنون العظمة وثقة فائقة في قدرتها، رغم ضعفها إلى أقصي حد!، ثلة من المغرورين النرجسيين الذين يندرجون ضمن (تأثير دانينغ وكروجر Dunning - Kruger effect). الذي ظهر عام 1999، في ورقة علمية نشرها عالَما النفس ديفيد دانينغ وجوستين كروجر من جامعة كورنيل Cornell University الأمريكية، وهو عبارة عن توجه معرفي يبالغ فيه الأفراد خطأً في تقديرهم لمعرفتهم أو قدرتهم في مجال محدد، ويحدث ذلك لأن قلة وعيهم الذاتي تمنعهم من تقييم مهارتهم بدقة.. وكتبا في الورقة: « يعاني الأشخاص الذين لديهم معرفة محدودة في مجال ما من عبءٍ مزدوجٍ: لا يقتصر الأمر على وصولهم إلى استنتاجاتٍ خاطئة وارتكابهم أخطاء مؤسفة فحسب، ولكن عدم كفاءتهم تمنعهم من إدراك ذلك أيضًا». إنه نوع من الانحياز المعرفي يتضح في ميل الأشخاص غير المؤهلين للمبالغة في تقدير مهاراتهم بسبب عدم قدرتهم على التنافس والمعرفة والتفريق بين الشخص الكفء وغير الكفء، كما يعانون من وهم التفوق، فيبالغون في قدراتهم المعرفية بشكل يجعلها تبدو أكبر مما هي عليه في الحقيقة، وينتج هذا التحيز المعرفي لوهم التفوق من انعدام قدرة هؤلاء الأشخاص على إدراك الإدراك (Metacognition) أو«المعرفة حول المعرفة وما وراءها»، وهو إدراك ذاتي بمعرفة المرء لحدود معرفته، كأن يعرف مثلا: متى وكيف يمكن تطبيق إستراتيجيات ما لحل المشاكل. وبدون هذا الإدراك الذاتي لا يُمكن لهؤلاء الأشخاص أن يقَيِّموا ذواتهم وأعمالهم بشكل موضوعي.
https://ar.wikipedia.org/wiki/تأثير_دانينغ-كروجر
نقرأ للرئيس الأمريكي السابق ”باراك أوباما“ في كتابه (أرض الميعاد) عن لقائه مبارك في عام 2009، في القاهرة: « أصبح لدي انطباع سيصبح مألوفا جدا في تعاملي مع الحكام المستبدين المسنين، وهو أنهم منغلقون على أنفسهم داخل قصورهم، وكل تفاعل لهم يكون من خلال الموظفين المتعصبين والمذلِّين الذين يحيطون بهم، كما أنهم غير قادرين على التمييز بين مصالحهم الشخصية ومصالح شعوبهم». ويقول: « إنه شعر بأن القادة العرب الذين شاركوا في القمة الرامية لإعادة إطلاق عملية السلام كانوا أشبه بممثلين بارعين يرتدون أقنعة، ومدرّبين على إسْماع الرئيس الأميركي ما يريد سماعه، ليعودوا بعد ذلك إلى بلادهم، ويستمروا في سحق المعارضين».
أولئك الضباط الذين اغتصبوا السلطة، ومازالوا مصرِّين على الاستمرار في اغتصابها، وسحق المعارضين لهم، ينتمون في غالبيتهم إلى الطبقة المتوسطة أو أقل قليلاً، وقد قضوا وقتًا طويلا من حياتهم يتعلمون حمل السلاح واستعماله في جيش بدائي، لا ينتج أسلحته بنفسه، ولم يتمتع بمكانة كبيرة في يوم ما. ومن المرجح ألا يكون أحدهم قد قرأ كتابا مفيدا واحدًا في حياته، فكان لا بد وأن يُبْهِرهم التحوُّل الهائل الذي باغت حياتهم، بعدما أصبحوا أسيادًا بين ليلة وضحاها، فدانت لهم الدولة بكل مقوماتها دون عناء، وتكالبت عليهم أضواء الشهرة والنفوذ والثروة، وانجذب نحوهم المواطنون بكل أطيافهم، يعلقون آمالهم وطموحاتهم عليهم، كمركز جديد للقوة في مصر، بينما كانوا يتخلصون من ”باشوات“ العصر الملكي، ويتحولون تدريجيا إلى ”سوبر باشوات“ عصرهم! (أنظر كتاب الدكتور الراحل حسين مؤنس ”باشوات وسوبر باشوات“). ونظرًا إلى أنهم لايستطيعون العمل إلَّا في جو من العسكرة، عمدوا إلى عسكرة الدولة، وتسييس الشعب وتعبئته بشكل ديماجوجي غوغائي، وحاولوا عبثًا تحويل انقلابهم إلى ثورة بزعامة البكباشي عبد الناصر، وهم لا يعرفون المعنى الحقيقي للثورة!، كما لا يعرفون الهدف من وجودهم المفاجئ على قمة السلطة والنفوذ!. لقد وجدوا أنفسهم ببساطة في مكان ليس لهم أصلا، وهم لا يدركون مدى معرفتهم بحدود إمكانياتهم، ومع ذلك يبالغون في تقديرهم لها، فأسرعوا بالتخلص من التيارات المدنية التي تزعجهم، وتسريح الأحزاب السياسية بما فيها تلك التي حاولت الانضواء تحت سطوتهم، والخضوع لأهوائهم ورغباتهم.
حاولوا بشتى الأساليب الميكيافيلية ملء الفراغ السياسي الذي أحدثته هذا التصرفات الحمقاء، باللجوء إلى تصرُّف أكثر حماقة، لأنه السبيل المطلق والوحيد لجميع الحكام الجهلة والعجزة ومغتصبي السلطة وقاطعي الأرزاق ومعدومي التأهيل. وهو الاحتماء برداء الدين الشعبي في محاولة لستر عوراتهم، واكتساب شرعية غير مستحقة لهم، ومن ثم بدأت مشاركتهم الفعَّالة مع رجال الدين، باستغلال قابلية العناصر الإسلاموية المؤسِّسة لصناعة ونشر وترسيخ ثقافة الغباء الجمعي بين المواطنين على كافة المستويات (أنظر المقالات السابقة).
يقول المستشرق الاسكتلندي سير روبرتسون سميث (1846 - 1894) مؤسس علم "تاريخ الأديان": «الدين الشعبى لايصبح رسميا إلا إذا تم تزييفه لصالح الكهنوت ونظم الحكم». الديانة الإسلاموية ليست بحاجة إلى تزييف، لأنها مزيفة ومفبركة بالفعل، لتخدم رجال الدين ونظم الحكم معًا، لذلك عندما عقدوا العزم على التنكر لمهنتهم والبدء بالعمل السياسي، اعتمدوا على التحالف مع الأخوان المتأسلمين والأزهر، لمعرفتهم بمدى شعبيتهما الكبيرة وولاء المواطنين لهما، حتى يمكنهم حل الأحزاب وإقصائها عن الحياة السياسية، وعندما تم لهم ذلك، هلَّل الإخوان فرحًا به، ما عدا شخص واحد هو مرشدهم الثاني المستشار حسن الهضيبي، كان رجلا محنكًا وحكيمًا ولديه بعد نظر، رفض القرار ورآه مرحلة أولى للقضاء على القوى المدنية يتبعها القضاء على الإخوان، رفض حل الأحزاب، والمحاكمات العسكرية للمدنيين، ورأى أن قبول الإخوان بذلك سيأتي بالدور عليهم ويتم حلُّهُم، ويحاكمون عسكريا، عندئذ لن يملكوا الاحتجاج، طالما قبلوا أن يمارس ذلك مع غيرهم. غُلب الرجل على رأيه. وبالفعل تخلص العسكر بعد ذلك من منافسة الإخوان لهم، بأحداث المنشية في سنة 1954م المعروفة، وراح البكباشي ينكِّل بهم، ومن بعده استغلهم السادات، كحليف للانقلاب على العهد الناصري، والبدء بسياسته الخاصة، دون مشاركتهم، وعدم السماح لهم بتشكيل حزب سياسي. ظلوا في عهد حسني مبارك بين كر وفر، مع استعماله لهم - كلما وقعت عليه ضغوط من الخارج - كديكور لديمقراطية مزيفة، وبالمثل استغلهم (الخونتا العسكرية Military Junta) بعد الانتفاضة الشعبية في 25 يناير 2011، لاغراضهم الشخصية ولامتصاص الغضب الشعبي، ثمّ تم التنكيل بهم على يد الجنرال عبد الفتاح السيسي أقسى تنكيل.
لنفترض جدلا، أن أولئك العسكر عند اغتصابهم السلطة، وكانوا في ريعان شبابهم، قد توفرت لديهم نية حقيقية في تحسين أحوال البلد، ونفترض أيضًا أنهم حاولوا ولم ينجحوا، بل وأحاطت بهم الهزائم من كل جانب، ألم يكن في مصر كلها من يستعينوا به أو يأخذوا برأيه، ألم يكن من الأجدى لهم ولبلدهم أن ينسحبوا إلى ثكناتهم ويتركوا السياسية للسياسيين المحترفين والتكنوقراطيين المتخصصين؟ ولكن كيف يتثنى لهم ذلك والسلطة في الدول الغبية لها رونق لا يضاهى ودونه الموت!، كيف لهم أن يتراجعوا واللقمة سائغة بين أسنانهم؟، والضباع تأبى على غيرها المشاركة في الفريسة، كيف يتخلون عن مناصبهم وكافة ممتلكات الدولة بين أيديهم وتحت أرجلهم، ولم يعد لأحد من سبيل في حياته سوى طلب المنفعة منهم، بتعزيزات من لفحات الرداءة والقبح والرشوة والنفاق والرياء والمداهنة!.
في خِضم هذه السيولة السياسية، كانوا قد جعلوا من الأزهر مؤسسة دينية وسياسية ضخمة، تزداد قوة وشموخًا، وسمحوا لشيوخها المحترفين وغيرهم من الهواة بتقديم خطاب ديني رجعي ظلامي، يرسِّخ الغباء الجمعي في المجتمع. الشيخ الشعراوي مثلا قال في إحدى مقابلاته: « نحن أفضل من الغرب .. والأهم أن الله قد سخَّر لنا كل هؤلاء المخترعين الغربيين لخدمتنا»، كما كان يقلل من أهمية العلم من خلال أرائه الخاصة برفض نقل الأعضاء والغسيل الكلوي …، وتعَجُّبُّه من فكرة الصعود للقمر حيث لا يرى لها فائدة، وبالمثل ساهم خطاب الشيخ كشك في ترسيخ السطحية في التفكير من خلال اعتماده على الخطاب العاطفي، وتسفيهِه لبعض النظريات العلمية مثل نظرية التطور، ومهاجمته لدعوات تحديد النسل والادعاء بأنها تهدف لتقليل عدد المتأسلمين، وتطاوله السفيه على الفن والفنانين خاصة أم كلثوم. ورأينا في المقال السادس كيف أن السلفيين يطالبون بتغطية الآثار الفرعونية بالشمع لأنها في عرفهم أصنام!
وهكذا تركوا المشايخ يقدمون للشعب، خطابًا دينيا ممزوجًا بأقصى قدر من الجهل والتعصب، وخاليا من مكارم الأخلاق والحس الإنساني الراقي، بقصد تحقيق هدف أساسي واحد، هو تخريب العقول وتلويث النفوس وإضعاف المجتمع المدني وتدمير كل قدرة منظَّمة على مقاومتهم ورفض توجهاتهم. وعليه تحوَّل المصريون تدريجيا إلى توليفة غير مسبوقة أو مألوفة، من القبح والجهل والخوف وكراهية الآخر، والخنوع السياسي والتعصب الديني والتطفل والنفاق والبلادة والانحراف السلوكي والتشوه الاجتماعي والتلوُّث البيئي، والاكتفاء بمظهر التدين، وممارسة طقوس استفزازية بإطلاق اللحى وارتداء الزي المميز ونشر الحجاب والنقاب بين السيدات، والصلاة في الشوارع والإزعاج بأصوات الميكروفونات على مساجد وزوايا تتزايد أعدادها عشوائيًا ويزداد هديرها في طول البلاد وعرضها، بدافع قوي ومباشر من أموال النفط الأسود وعقيدة الصحراء الحمقاء.
من الأمور الجلية في منظومة الفساد المتعمَّد والغباء الممنهج الآن، أن يكون معظم المقبلين على دراسة (الشريعة) الأزهرية من الطبقات المهمشة اجتماعيا، ومن ذوي القدرات المادية والعقلية المتدنية والمحَمَّلين بجميع الأمراض النفسية والسلوكية، ليصبح هذا الخليط المشبع بالرواسب النفسية، والبلادة الذهنية، والتدني الطبقي والفكري والسلوكي، يشكل السواد الأعظم من المنتَج الذي تدفع به المؤسسة إلى الجهات الأمنية في البلاد، ليعاد تدجينهم سياسيا ووضعهم في الأماكن المناسبه لهم!، بما يمكن وصفه بـ « شيوخ العسكر!»؛ الذين يدورون في فلك الضباع، لوجود توافق قوي يجمع بينهما،
• فكلاهما يأمر فيطاع، لا اعتراض ولا مجال لاستعمال العقل،
• كلاهما يعاني من مرض العظمة (البارانويا) باختزال كل شيء في شخصيته ويرى العالم من خلالها وحدها،
• كلاهما لا يتسع صدره لأي خلاف من أي نوع كان، فهو لا يسمح لغيره بالكلام، ولا يستمع إلى كلامه إذا تكلم،
• كلاهما يعتقد أنه دائما على صواب، أي اختلاف مع أحدهما يراه
أنه محاربة الله ورسوله، ومع الآخر يراه جزءًا من المؤامرة عليه وعلى أمن الوطن والمواطنين. أي خلاف حتى وإن كان بسيطاً جداً، يُشكل خطراً على سلطته وعلى وجوده لذلك يستوجب التخلص من مصدره بدون أي تردد،
• كلاهما “سايكوباتي” يميل إلى السادية، خاصة في لحظات الغضب والانفعال حيث يسقط عنه قناع العقل والتهذيب،
• كلاهما متكبر ومغرور ينفرد برأيه ويستقل به ويعتقد أنه المصدر الوحيد للرأي الصحيح والفكر السديد وقراراته دائماً حكيمة ومُحكمة،
• كلاهما طاغية مستبد بعثه الله لإنقاذ البشر، يقول عبد الرحمن الكواكبي في (طبائع الاستبداد) أنه:« ما من مستبد إلا ويتخذ صفة قدسية يشارك بها الله».
• كلاهما يزعم أنه على تواصل مع الله، يستمد منه قدرات خارقة لحماية الوطن والمواطنين، إما من عذاب الدنيا أو من عذاب الآخرة،
• كلاها يعتقد جازمًا أنه معصوم عن الخطأ فإذا حصل خلل ما فهذه مسؤولية الآخرين الذين لم يطبقوا نصائحه وتوجيهاته أو لأنه غضب من الله لبعد الناس عن جوهر الدين!،
• كلاهما يعتقد جازمًا أنه يتعامل مع أطفال أغبياء، فيعلن الوصاية عليهم، مؤكدا على امتلاكه مفاتيح العلم والمعرفة، وأنه جِهْبِذ من عظام الجهابذة في كل شيء،
• كلاهما يرى نفسه رسولا مصغرًا لرب السماء على الأرض، يتحدث باسمه ويعرف ماذا يريد من عباده، فيدافع عنه وعن دينه بالنيابة!.
وليس أدل على ذلك من الألقاب السياسية والدينية التي يطلقونها على أنفسهم قديمًا وحديثًا،
• كلاهما لا يتوفر ليديه أدنى وعي، ليعرف أنه على خطأ، أو يعترف بخطئه ويعمل على إصلاحه بنفسه أو بغيره، بل يتمادى فيه ويفرضه على الآخرين بالقوة أو بالكذب والخداع.
***
مازالت عصابة الضباع تواصل تنفيذ المخطط الناصري بحذافيره، فتكمل عسكرة الدولة بكاملها وتحويل الشعب تدريجيا إلى عبيد يعملون لحساب أسيادهم العسكر، لا بد أن يبقى شعبًا جاهلًا، لا يملك أية أفكار يمكن مناقشتها والبناء عليها، واكتفاؤه بتقديس الأفكار التي بحوزته، والغير قابلة للنقاش. تمارس معه أعمال البلطجة والإجرام في وضح النهار، تنهب الأموال العامة والخاصة، وتملأ السجون بالمحتجين. تفعل ما تريد وتعبث بمن تريد، دون رقيب أو حسيب، لها مطلق اليد في إذلال الشعب وتجويعه، والشعب لا يحرِّك ساكنًا. ولايستطيع أحد الاعتراض أو الرفض!. لديهم صورة نمطية ”دونية“ للشعب برمته، فهو عدوهم الأول، والمصدر الأساسي لتهديد مصالحهم، يجب التعامل معه بعنف وبشكل فوري، وتمنحهم هذه الصورة الإذن الأخلاقي لأي ممارسات - بما فيها القتل خارج القانون - لأي مواطن مهما كان مستواه. يخافون من انقلاب بعضهم على بعض أو انقلاب الشعب عليهم. وكما قال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد (1126 - 1198م): « الجهل يقود إلى الخوف • والخوف يقود إلى الكراهية • والكراهية تقود إلى العنف»، حتى أن الخوف جعلهم يقتلون الأجانب الذين يأتون إلى مصر بحسن النية. ولديهم في المقابل قاعدة ثابتة منذ عهد البكباشي، هي حماية بعضهم البعض ضد أي مساءلة قانونية، وإبعاد أي شخص منهم أو تصفيته جسديا إن حاول مخالفة آرائهم أو التصدي لأساليبهم.
إن مصر لن ترقي إلا على يدي حاكم مثقف سياسيا، يعي جيِّدا أن بناء الأوطان يكون بالعقل والعمل وليس بالإيمان والكلام، وأن رقي المواطنين يكون بامتلاك الوعي والإدراك وليس بالدعاء والصيام والصلاة والحج، وأن إقامة العدالة بين الناس تكون بالمواطنة المتساوية التي يكفلها القانون وليس بما يقوله ”الطيِّب والخبيث“ ومن هم على شاكلتهما، وأنَّ الحياة الكريمة لا تتحقق إلا بالحب والتسامح وليس بالكراهية والحقد، عندئذ لن يتكلم أحد عن الغباء الجمعي وثقافته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - ماذا اقول ؟
كامل حرب ( 2022 / 7 / 23 - 17:18 )
الاستاذ ياسين المصرى , ربما هذا هو اقوى مقال لك لوصف مصر البشع المروع فى ضوء احتلال جيش مصر البلطجى الداعر لمصر المسكينه البائسه على مدار سبعين عام سوداء ومص دماء المصريين وافقارهم وتجويعهم واذلالهم وقهرهم بل وحتى قتلهم , ايضا مقالك الماضى عن اصل البلطجه فى مصر ايضا من روائع جهدك المتواصل الدؤوب لفضح هذه العصابه الساديه المجرمه , لاادرى لماذا مصر بالذات من بين جميع الدول يتم انتهاكها وقمعها بهذا الشكل المحزن المؤسف


2 - شكر وتقدير
ياسين المصري ( 2022 / 7 / 24 - 13:29 )
عزيزي الأستاذ كامل حرب
شكرا حزيلا على تعليقك الرائع والمفيد، أما سؤالك عم لماذا مصر بالذات، فهو شغلي الشاغل وجوهر مقالاتي
مع أطيب تحياتي لشخصك العظيم
ياسين المصري