الحوار المتمدن - موبايل


القهر بين التكيف والمقاومة

خالد كاظم أبو دوح

2007 / 2 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


"إنني لا أبغض العالم الذي أعيش فيه، ولكنني
أشعر بأنني دوماً متضامن مع كل الذين يعذبون
فيه كل يوم" ألبير كامي
مدخل:
إن المهمة الحقيقية لعلم الاجتماع داخل أي تكوين اجتماعي، تتلخص في تزويد الفاعل الاجتماعي (الفرد) بالقدرة على تحرير ذاته من كل القيود، وذلك من أجل الهدف الأعلى وهو تحرير المجتمع بأسره، وأخطر القيود التي يواجهها الفاعل الاجتماعي هي مأزقية وجوده، وكيفية تحرير فعله من كل صنوف القهر والرضوخ.
أحاول هنا أن ألقي الضوء على مواقف الفاعلين من القهر الذي يتصدى لهم من قبل فاعلين آخرين، يحوزوا قدر أكبر من السلطة، وسوف تعتمد هذه الإطلالة السريعة، على المقارنة بين نمطين من الفاعلين، الأول هو النمط الذي يواجه القهر بالتمرد، والثاني هو الذي يواجه القهر بالتكيف معه، أو الرضوخ له.
ماهية الإنسان المتكيف مع القهر:
لما كان تكيف الإنسان مع القهر هو ضد الإنسانية كقيمة عليا، فإن الإنسان الذي يحيا حياته وفقاً لهذه الآلية، هو الإنسان الذي فقدت إنسانيته قيمتها، قدسيتها، والاحترام الجديرة به، هو الإنسان الذي تحول إلى شئ، سلعة إلى أداة، أو وسيلة، إلى قيمة مبخسة. يتخذ هذا التبخيس، أو الهدر لقيمة الإنسان وكرامته، صوراً تتلخص في اثنتين أساسيتين: عالم الضرورة، والقهر التسلطي. عالم الضرورة هو تعبير عن الاستلاب الطبيعي، الذي يتعرض له الإنسان في المجتمع، عندما تواجهه الطبيعة. أما القهر التسلطي، فهو عالم سيادة القلة ذات الحظوة، التي تفرض هيمنتها على الغالبية بالاعتماد على العديد من الآليات، لتخلق نموذجاً عاماً من علاقات التسلط والرضوخ، تمارس فيه أنواعاً متعددة من العنف المادي والمعنوي والرمزي.
صور التعامل مع القهر وتداعياتها على الفرد:
هناك من الفاعلين من يواجه القهر بالتمرد مهما كلفه هذا التمرد من أزمات، وهناك من يواجه القهر والتسلط بالخضوع، والرضوخ، والتماهي مع كل صور القهر التي تواجهه، وبمقدار هذا الرضوخ يتم تحديد درجة قبول الفرد ممن يمارس عليه فعل القهر، وإحاطته بالرعاية والحماية، ومقدار ما يناله من الغنيمة، وبمقدار درجة تمرد الفرد، يتم تحديد مقدار نبذه، واستبعاده، وإقصاءه عن الفرص والحقوق، وحرمانه من الحماية.
نحن هنا أمام نمطين من القبول:
الأول: القبول المشروط بالرضوخ، والذي معه يدخل الفاعل سجناً خارجياً، سرعان ما يتحول إلى سجن ذاتي يرتضيه الفرد طوعاً حفاظاً على أمنه، أو مورد رزقه، من خلال القبول المشروط يتحول الإنسان إلى أسير لدى من يمنحه القبول.
يذهب القبول المشروط حداً يفرض على الفرد تمجيد صاحب السلطة وتمجيد أفعاله، ولا يتحدث له إلا بالمديح، ولا يجوز له أن يرى الأشياء على حقيقتها الواقعة، بل عليه أن يتمثل رؤية مانح القبول له، وبهذا تتحول حياة الفرد إلى خضوع وانقياد، وتكتظ بالمراوغة، والكذب، والتجميل، وقد تتخذ طابع الاستلاب الذاتي من خلال تمثل هذه الطاعة والقبول المشروط.
يمثل القبول المشروط المدخل المباشر إلى الاضطراب الذاتي وسوء التوافق السلوكي سواء بسواء: القلق، الإحباط، الإكتئاب، الاستسلام والتراخي، والانهزامية، والعدوانية والغيظ، السلوكيات التدميرية للذات وللآخرين، التصلب والتطرف، وبالتالي هدر الذات وإمكانياتها، ومعها هدر الآخرين والعالم الخارجي.
الثاني: القبول غير المشروط، والذي يشير إلى الاعتراف بإنسانية الإنسان ككائن قائم بذاته، وكمشروع وجود، ولا يعني ذلك مطلقاً القبول بالسلوكيات الخاطئة التي يمكن أن تصدر عن الفرد، أو مواقفه المؤذية له أو للآخرين. ومع هذا النمط يحقق الفرد هوية وكيان مستقل وقائم بذاته. وتفتح أمامه آفاق التوازن النفسي والوفاق مع الذات ومع العالم والآخرين، كما تنمو لديه الثقة بالنفس والنظرة الإيجابية إلى الذات، والدافعية للعمل والإنجاز، وصولاً إلى الإبداع.
وأخيراً يجب التأكيد على أن التمرد غالباً يخلق التميز، وعلى كل فرد أن يختار سياسة حياته، أنا أقبلك ما دمت أنت كما أريد أنا، وأنا أرفضك طالما أنت كما تريد أنت.
قراءات مقترحة:
1- مصطفى حجازي، الإنسان المهدور، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2006.
2- مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1986.
3- ماري فرانس، تنكيد المعنويات، ترجمة فاديا لاذقاني، دار العالم الثالث، القاهرة،2001.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما موقف المغرب مما يحدث في القدس وغزة؟


.. محادثات فيينا بين التفاؤل والتشاؤم.. روسيا تؤكد عدم استحالة


.. تصعيد غير مسبوق بين غزة وإسرائيل.. ومساعٍ مصرية للتهدئة | #غ




.. القبة الحديدية.. اختبار جديد مع صواريخ ومسيّرات غزة | #غرفة_


.. جريمة جديدة في موقع فض اعتصام القيادة العامة في السودان..وحم